تأتي مواسم الانتخابات، النيابية منها والبلدية في المملكة ، محمّلة بالكثير من الشعارات الجميلة: خدمة الناس، الدفاع عن مصالح المجتمع، تحقيق التنمية، إيصال صوت المواطن، ومحاربة الفساد. وهي عناوين نبيلة في ظاهرها، ولا يختلف اثنان على قيمتها وأهميتها.
لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح بهدوء: هل تكون خدمة المجتمع دائمًا هي الدافع الحقيقي وراء الترشح للمواقع العامة؟
الحقيقة أن النوايا البشرية أكثر تعقيدًا من الشعارات التي تُرفع أمام الجمهور ، فهناك من يترشح فعلًا إيمانًا برسالة عامة، ورغبةً في تقديم شيء لمجتمعه، وهناك من يرى في الموقع العام فرصة لخدمة الناس وتحقيق الصالح العام ، لكن في المقابل، قد يكون هناك من يرى في الانتخابات بوابةً إلى الوجاهة والنفوذ، أو وسيلةً للوصول إلى مصالح شخصية، أو مجرد انتقال من هامش السلطة إلى مساحة أكبر من الحضور الاجتماعي.
وفي بعض الحالات، لا تكون الغاية هي السلطة ذاتها، بقدر ما هي ما تمنحه السلطة من امتيازات رمزية ومادية وشبكة علاقات ونفوذ.
وهنا يصبح المشهد أشبه بموسم يتزاوج فيه المال مع السلطة والبرستيج ، حيث يُستثمر المال للوصول إلى الموقع، ثم يُستثمر الموقع لاحقًا في تعزيز المكانة والمصالح ، وفي أسوأ الصور، يتحول الموقع العام إلى غاية بحد ذاته، بينما تصبح عبارة "خدمة المجتمع" مجرد الغطاء الأكثر قبولًا اجتماعيًا لهذه الرغبة.
والأكثر إثارة للتأمل أن بعض الطامحين لا يبحثون بالضرورة عن سلطة حقيقية أو قدرة فعلية على صناعة القرار ، بل يكفيهم أحيانًا "فتات السلطة " وما يرافقه من لقب وصورة ومكانة اجتماعية، وربما منفعة مالية أو شبكة علاقات ، سلطة صورية قد تكون في نظر صاحبها أكبر من حجمها الحقيقي، لكنها تمنحه شعورًا بالوجاهة والحضور.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نقع في التعميم أو أن نحاكم كل مرشح بالنية ذاتها، فالانتخابات في أصلها ممارسة مدنية ضرورية، والمجالس النيابية والبلدية مؤسسات يفترض أن تكون ساحات لخدمة الناس وتحقيق مصالحهم ، المشكلة ليست في الترشح، وإنما في الدافع الحقيقي وراء الترشح، وفي المسافة بين ما يُقال للناس وما يريده المرشح لنفسه.
لذلك ربما يكون السؤال الأهم قبل أن نمنح ثقتنا لأي مرشح ليس: ماذا سيقدم لنا؟ فقط، وإنما أيضًا: ماذا يريد هو من هذا الموقع؟
فالذي يريد خدمة الناس يستطيع أن يثبت ذلك بسيرته قبل حملته الانتخابية، وبعمله قبل شعاراته، وبقدرته على العطاء قبل أن يطلب الأخذ .
أما من يرى في الموقع العام مجرد درجة يصعد عليها نحو المال أو الوجاهة أو النفوذ، فسرعان ما تكشف الأيام حقيقة النوايا، مهما كانت جميلة العبارات التي سبقت صندوق الاقتراع.
وفي النهاية، ليست كل مشاركة في الانتخابات طمعًا في السلطة، كما أن ليست كل دعوة إلى خدمة المجتمع دليلًا على الإيثار ،
العبرة دائمًا بما وراء الشعار، وبما يفعله الإنسان بعد أن يصل إلى الموقع، لا بما يقوله قبل الوصول إليه.
فالمناصب العامة لا تحتاج فقط إلى من يستطيع أن يقرأ ويكتب، بل إلى من يستطيع أن يفهم، ويُحسن التقدير، ويتحمّل المسؤولية، ويعرف الفرق بين المصلحة العامة والمصلحة الشخصية ، وإلى من يستطيع أن يُحاسِب ويُحاسَب، لا أن يقرأ ويكتب ثم يكتفي بما يؤملى عليه .
ملاحظة:
هذا المنشور يتناول ظاهرة عامة مرتبطة بالممارسة الانتخابية في المملكة الأردنية الهاشمية، ولا يستهدف منطقة جغرافية أو دائرة انتخابية أو مرشحًا بعينه، وإنما يطرح فكرة عامة للتأمل والنقاش حول الدوافع الحقيقية وراء الترشح للمواقع العامة.