هناك في حقبة من الزمن التي لا تحفظها الكتب، ولا تختصرها الصور الفوتوغرافية، ولا تستطيع الدراما اليوم أن تعيد تفاصيلها مهما بلغت من الدقة والتطور. حقبة بقيت حية في ذاكرة أولئك الذين عاشوها، وفي مقدمتهم الجدات اللواتي كن يحملن في صدورهن تاريخ المرحلة ويحفظن أسماء الراحلين، ومواسم المطر، وأيام القحط، وحكايات الفرح والحزن التي عاشوها. كانت الجدة في الريف أكثر من امرأة تقدم بها العمر، كانت ذاكرة تمشي على قدمين، وقلبا يعرف كيف يحول أقسى الأيام إلى حكاية فيها درس وعبر، وأشد المحن إلى قصة فيها أمل وملهمه.
اليوم حين تنظر إلى وجه الجدة في الريف، لا تنظر إلى تجاعيد وجهها باعتبارها أثرا للتقدم بالعمر.... تأملها جيدا؛ ستكتشف أن كل خط فيها يحمل قصة، وكل تجعيدة تختزن عاما من التعب والحزن، وكل انحناءة في ظهرها تشهد على سنوات طويلة من حمل الماء والحطب والخبز وتربية الأطفال. تلك المرأة التي قد تجلس اليوم بهدوء، عاشت زمنا كانت فيه الحياة تحتاج إلى عضلات الرجال وصبر النساء وإرادة لا تعرف الاستسلام والهزيمة. كانت تستيقظ قبل الجميع، وتنام بعد الجميع، وبين الفجر والليل كانت تصنع من القليل حياة كاملة بكل تفاصيلها.
كان الريف مدرسة للتعلم، وكانت الأرض كتابها الأول..... هناك تعلم الإنسان أن الرغيف لا يأتي من رف متجر، بل من حبة قمح تزرع بجهد، ثم تحصد بحب، ثم تطحن بتعب، ثم تعجن برغبة للبقاء ، ثم تخبز لتطعم الأفواه الجائعة. وتعلموا في الريف أن الماء نعمة يجب المحافظة عليه، وأن الشتاء ليس مجرد فصل جميل وموسم خير، بل اختبار حقيقي لقدرة الأسرة على الصمود في أقسى الظروف. كانت المرأة تعرف كيف تدبر نفسها وعائلتها بالقليل، والرجل يعرف كيف ينتزع رزقه من الأرض بالزراعة، والطفل يعرف أن له دورا في البيت بمساعدة ذويه. لم يكن أحد يتحدث كثيرا عن المسؤولية، لأن المسؤولية كانت جزءا من الحياة اليومية ويتم تعليمها بشكل غير مباشر فدروس الحياة كافية لتصنع انسانا مختلفا.
وفي أصعب الظروف، كان الفقر حاضرا، لكن الانكسار والخنوع لم يكن حاضرا في أذهان الناس. كانت البيوت بسيطة جدا، لكنها مليئة بالأصوات والضحكات. كان الجيران يعرف بعضهم البعض، وكان باب البيت مفتوحا للضيف وعابر السبيل، وكانت المضافة عنوانا للكرم، وكانت المناسبات تجمع الناس، وكان الحزن إذا دخل بيتا أصبح حزن القرية جميعها. لم تكن الثروة بمساحة البيوت وعدد الماشية، بل بعدد الرجال الذين يقفون معك عندما تضيق الدنيا بك، وعدد النساء اللواتي يطرقن بابك ليسألن: "هل تحتاجون شيئا؟"
كانت الجدة تعرف معنى أن يكون الإنسان سندا وعونا في الشدائد إذا مرض أحد، كانت أول من يسهر عليه ويداويه. وإذا اختلف اثنان، كانت كلمتها تهدئ النفوس وتحل المشاكل. وإذا أصاب أحدهم ضيق هدأت من روعه، لم يكن ذاك كلاما نظريا، بل كانت تبحث عن حل يريح الجميع . وربما وضعت يدها في جيبها لتخرج آخر ما تملك، ثم تقول ببساطة: "الله بيعوض." كانت تؤمن أن الخير لا يحتاج إلى ضوضاء وصخب، وأن أجمل العطاء ما كان في الخفاء.
أما الليل، فكان له طقس آخر. حين تنطفئ حركة النهار، ويجتمع أفراد الأسرة حول النار أو المدفأة، كانت الجدة تفتح صندوق ذكرياتها..... لتبدأ الحكاية، فيصمت الجميع ويسمع..... تحكي عن أيام لم يعرفها الأحفاد، وعن رجال حفظوا العهد والميثاق، ونساء صبرن على الشدائد والمحن والظروف القاسية، وضيوف دخلوا بيوتا فقيرة فخرجوا معززين مكرمين، وأيتام احتضنتهم العائلات حتى كبروا وفتحوا بيوتا، وجيران اقتسموا آخر رغيف دون أن يسأل أحدهم الآخر عن المقابل.
لم تكن تلك الحكايات للتسلية قبل النوم فحسب بل كانت مدرسة أخلاقية كاملة بكل تفاصيلها. كان الطفل يتعلم منها معنى الكرم دون أن يسمع كلمة "منهج"، ويتعلم الوفاء دون أن يدخل دورة تدريبية مكثفة، ويتعلم الشجاعة من قصة رجل ثبت في موقف صعب، ويتعلم الرحمة من امرأة فتحت بابها ليتيم وساعدته. كانت القيم تنتقل من جيل إلى جيل بالصوت، وبالنظرة، وبالموقف، وبالحكاية الخالدة في أذهان الجميع.
ولم تكن الجدات وحدهن حارسات الذاكرة. بل كان الأجداد أيضا رجالا صنعتهم الحياة فكانت الشمس تعرف وجوههم جيدا وأثرت بملامحهم، والأرض تحفظ خطواتهم، والفأس جزءا من يومهم، والمضافة جزءا من شخصيتهم. كانوا يعرفون أن الكلمة عهد وميثاق غليظ، وأن الضيف له مكان، وأن الجار له حق، وأن الرجل لا يقاس بما يملك، بل بما يقدمه عندما يحتاجه الآخرون.
كان الجد يخرج إلى أرضه مع الفجر، ويعود مع الغروب متعبا ، لكنه لا يسمح للتعب أن يهزم روحه من الداخل. كان يعرف أن الأرض لا تخون من يخدمها ويهتم بها ، وأن الرزق يحتاج إلى سعي دائم، وأن الكرامة لا تستعار. لذلك ربى أبناءه على العمل قبل الراحة، وعلى الصبر قبل الشكوى والتململ، وعلى الاعتماد على النفس قبل انتظار مساعدة الآخرين.
ثم تغير كل شيء...........في عالمنا الأزرق
كبرت المدن والقرى ، اتسعت البيوت كثيرا، اختفت كثير من المهن القديمة، ودخلت التكنولوجيا إلى تفاصيل حياتنا البسيطة. أصبح العالم كله على الهاتف، وأصبح الوصول إلى أي شخص في أقصى الأرض لا يحتاج سوى لمسة واحدة..... لكن الفرق المؤلم أن المسافات البعيدة أصبحت أقصر، بينما أصبحت المسافات بين أفراد الأسرة أحيانا أطول بكثير.
نستطيع أن نتحدث مع شخص لا نعرفه في بلد آخر لساعات طويلة، لكننا قد لا نجد عشر دقائق لنجلس بجوار جدتنا واحبابنا. نعرف أخبار المشاهير لحظة بلحظة، لكننا لا نعرف آخر قصة يحتفظ بها جدنا في ذاكرته. نلتقط مئات الصور في اليوم الواحد، لكننا ننسى أن نلتقط صورة ليد جدة صنعت لنا الخبز يوما، أو لوجه جد أفنى عمره في خدمة أسرته وأرضه.
وهنا تبدأ الخسارة الكبرى.......
فحين ترحل الجدة، لا يرحل شخص واحد فقط..... فقد ترحل معها أسماء، ووجوه، ووصفات، وأمثال، وأحداث، وذكريات، وأسرار عائلية، وتفاصيل صغيرة لا يعرفها أحد سواها..... ترحل قصة ذلك العرس القديم، وقصة موسم الجفاف، وقصة أول بيت بني في القرية، وقصة رجل كان كريما، وامرأة كانت صابرة، وطفل أصبح رجلا وقائدا بعد أن احتضنته عائلة بأكملها بعد موت عائلته.
إن الإنسان الكبير في السن في مجتمعاتنافرد يحتاج إلى الرعاية، إنه مستودع للذاكرة النابضة بالحياة.... إنه شاهد حي على زمن لا يمكن استعادته ابدا. ولهذا فإن احترام كبار السن ليس مجاملة اجتماعية، بل احترام لتاريخنا وهويتنا وجذورنا المتأصله.
أحيانا نجلس بجوار كبار السن ونظن أنهم يكررون ذات القصص والحكايات. وقد نشعر بالملل، فننظر إلى الهاتف، أو نغير الموضوع، أو نعتذر بحجة الانشغال..... لكننا لا ندرك أن تلك القصة التي سمعناها عشر مرات قد تكون بالنسبة إليهم واحدة من آخر الذكريات التي بقيت واضحة في أذهانهم. وربما لا يريدون منا حلا، ولا مالا، ولا هدية؛ يريدون فقط شخصا يسمع لهم .
لذلك، يا أبناء هذا الزمن السريع، اجلسوا مع كباركم قبل أن يصبح الجلوس أمنية لن تتحقق مجددا . اسألوهم عن الماضي. اسألوهم عن البيوت القديمة، عن الأرض، عن المطر، عن الأعراس، عن أيام الفقر، عن الرجال الذين رحلوا، وعن النساء اللواتي كنّ يحملن البيوت فوق أكتافهن. سجلوا أصواتهم إن استطعتم ذلك ، واكتبوا حكاياتهم، واحفظوا أسماءهم، لأن ما لا يكتب قد يختفي للأبد، وما لا يروى قد يموت مع أصحابه.
ولا يعني احترام الماضي أن نرفض الحاضر أو نهرب من التكنولوجيا الحديثة. نحن لا نريد العودة إلى زمن الحطب والرحى، وإنما نريد أن نستعيد شيئا من روحه... أن نستعيد الرحمة التي كانت تجمع الجيران، والوفاء الذي كان يحفظ العهد، والكرم الذي لم يكن ينتظر التصوير والمقابلات، وصلة الرحم التي لم تكن تحتاج إلى تذكير، واحترام الكبير الذي كان جزءا من تربية الإنسان.
الجدات لم يكن يوما ضعيفات لأنهن كبرن في السن؛ بل هن قويات لأنهن عشن ما يكفي ليعرفن أن الحياة لا تُقاس بعدد الأيام السهلة. كن يدفن أحبة، ويواجهن المرض، ويعشن أيام القحط والجفاف، ويربين الأطفال، ويعملن، ويصبرن، ثم يبتسمن ويقلن: "الحمد لله." هذه ليست مجرد عبارة، بل هذه فلسفة جيل كامل عرف كيف ينتصر على قسوة الحياة بالرضا.
ولذلك، لا تنظروا إلى كبير السن باعتباره ماضيا انتهى..... انظروا إليه باعتباره حاضرا يحمل الماضي، ومستقبلا يستطيع أن يمنح أبناءنا شيئا لا تستطيع التكنولوجيا أن تمنحه.
ففي كل بيت جدة، هناك حكاية وقصة ....
وفي كل يد مرتجفة تاريخ طويل من العطاء والإنجاز.
فلا تجعلوا الحكايات تموت للأبد.
لا تجعلوا الجدات يرحلن ومعهن مكتبة كاملة لم يقرأ منها أحد.
اجلسوا بجوارهن، أمسكوا أيديهن، وانظروا في عيونهن وقولوا:
"جدتي... احكي لي عن زمانكم."
ستبتسم.
وقد تتنهد قليلا.
ثم تبدأ الحكاية...
وحين تبدأ الحكاية، ستكتشف أن المرأة التي ظننت أنها عجوز تجلس أمامك، ليست عجوزا على الإطلاق.
إنها تاريخ عائلة، وذاكرة قرية، وروح زمن بأكمله.....
رحم الله من رحل من جداتنا وأجدادنا، وأطال الله في أعمار من بقي منهم، وجعلهم بركة في بيوتنا، ونورا في عائلاتنا، وجسرا يصل حاضرنا بماضينا.
فالأمة التي تحترم كبارها تحفظ ذاكرتها وكيانها، والأمة التي تحفظ ذاكرتها تعرف من أين جاءت... ومن يعرف من أين جاء، لا يضيع الطريق به.....