هناك رجالٌ يغادرون مواقعهم، وهناك رجالٌ تبقى مواقعهم شاهدةً على حضورهم، وهناك رجالٌ لا يغادرون الذاكرة الوطنية مهما تبدّلت المناصب وتغيّرت المسؤوليات.
ومن هؤلاء الرجال، الفريق الركن يوسف أحمد الحنيطي، الذي يودّع اليوم موقعه رئيساً لهيئة الأركان المشتركة، بعد مسيرة عسكرية حافلة بالعطاء والانضباط والمسؤولية، تاركاً خلفه سيرة رجلٍ آمن بأن الجندية ليست رتبة على الكتف، وإنما شرفٌ ومسؤوليةٌ وانتماءٌ للوطن وقيادته الهاشمية الحكيمة.
لقد جاءت الإرادة الملكية السامية بترفيع اللواء الركن يوسف الحنيطي إلى رتبة فريق وإحالته إلى التقاعد اعتباراً من الثاني من أيلول 2026، في محطةٍ جديدة من مسيرة رجلٍ أمضى سنوات طويلة في خدمة القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، قبل أن يتولى رئاسة هيئة الأركان المشتركة عام 2019.
الحنيطي.. عنوان للجندية الأردنية.
لم يكن الحنيطي خلال سنوات خدمته مجرد قائدٍ عسكري يؤدي واجبه، بل كان واحداً من أولئك القادة الذين حملوا مسؤولية تطوير المؤسسة العسكرية وتعزيز جاهزيتها بتوجيهات من جلالة الملك عبدالله الثاني حفظه الله ورعاه ، واضعا أمن الأردن واستقراره فوق كل اعتبار.
وفي السنوات التي قاد فيها هيئة الأركان المشتركة، ظلّ الحديث عن رفع الكفاءة والجاهزية والتطوير النوعي للقوات المسلحة حاضراً في توجهاته وتصريحاته مع الدعم الملكي المستمر، مع مواصلة العمل على تطوير القدرات البشرية والعسكرية لمواجهة التحديات المتغيرة.
رجلٌ في زمن التحديات.
وإذا كان الأردن يعيش في منطقةٍ لم تعرف الهدوء طويلاً، فإن مسؤولية قيادة الجيش العربي لم تكن يوماً مهمةً سهلة.
فقد عرف الحنيطي كيف يحمل أمانة الموقع في مرحلة إقليمية شديدة التعقيد، وكيف يحافظ على جاهزية القوات المسلحة، ويؤكد في مختلف المناسبات أن الجيش العربي سيبقى العين الساهرة على أمن الوطن وحدوده ومقدراته.
ولم تكن الجاهزية بالنسبة إليه شعاراً إعلامياً، بل نهجاً عملياً يقوم على التدريب والتطوير والتحديث ورفع مستوى الكفاءة، وهو ما ظهر في متابعته الميدانية المستمرة لوحدات وتشكيلات القوات المسلحة ومشاريعها المختلفة.
من سلاح الجو إلى قيادة الجيش.
وتحمل مسيرة الحنيطي أيضاً محطة تاريخية لافتة؛ فقد جاء إلى رئاسة هيئة الأركان المشتركة من سلاح الجو الملكي الأردني، بعد أن شغل منصب قائد سلاح الجو، ليكون أول قائد للجيش الأردني يصل إلى رئاسة هيئة الأركان من صفوف سلاح الجو الملكي، في محطة عكست اتساع مفهوم التطوير العسكري وتكامل صنوف القوات المسلحة.
وهنا تكمن قيمة التجربة؛ فالقائد الحقيقي لا يُقاس فقط بعدد السنوات التي أمضاها في الخدمة، وإنما بما تركه من أثرٍ في المؤسسة التي تولى مسؤوليتها.
الحنيطي.. مدرسة في الانضباط
الجندية الأردنية لها قاموسها الخاص؛ الصمت عند الحاجة، والحزم عندما يتطلب الموقف، والتواضع أمام الوطن، والالتزام بالأوامر، والإيمان بأن خدمة الأردن شرفٌ لا يعلوه شرف.
وفي هذا السياق، ارتبط اسم الحنيطي بصورة القائد العسكري الذي يعمل بعيداً عن الضجيج، ويترك للإنجاز أن يتحدث عنه.
فقد كان حاضراً في الميدان، متابعاً، ومتفقداً، وموجهاً، ومؤكداً بصورة مستمرة على أهمية الإنسان العسكري باعتباره الركيزة الأساسية في بناء جيش قوي وقادر.
اليوم.. تنتهي مهمة ولا تنتهي سيرة.
التقاعد في المؤسسة العسكرية لا يعني نهاية العطاء، وإنما هو انتقال من موقعٍ إلى موقع آخر، ومن مسؤوليةٍ رسمية إلى مساحةٍ أوسع من الخبرة والتجربة الوطنية.
واليوم، وهو يترجل عن موقع رئاسة هيئة الأركان المشتركة، ولا يترجل الفريق يوسف الحنيطي عن ذاكرة الأردنيين، ولا عن صفحات المؤسسة العسكرية التي خدمها بإخلاص.
فالرتبة قد تتغير، والموقع قد يتغير، لكن السيرة تبقى.
رسالة تقدير لرجلٍ خدم الوطن.
إن الحديث عن الفريق يوسف الحنيطي هو حديث عن جيلٍ من أبناء القوات المسلحة الأردنية الذين تربوا على عقيدة الجيش العربي، وعلى أن الأردن أمانة، وأن القيادة الهاشمية عنوان الاستقرار، وأن حماية الوطن ليست وظيفة وإنما شرفٌ ومسؤولية.
ومن حق هذا الرجل، في لحظة مغادرته موقعه، أن يسمع كلمة وفاء من أبناء وطنه:
شكراً لأنك خدمت الأردن.
شكراً لكل يومٍ حملت فيه مسؤولية الجيش العربي.
شكراً لكل جندي وضابط كنت قائداً له.
وشكراً لمسيرةٍ جعلت من الواجب عنواناً، ومن الانتماء نهجاً، ومن الوطن غاية.
لن ينسى الأردن رجلاً خدمه.
قد تتعاقب الأسماء على المواقع، وقد تتبدل الرتب والمناصب، لكن الرجال الذين يضعون الوطن في مقدمة حساباتهم لا تسقط أسماؤهم من الذاكرة.
وسيظل الفريق يوسف الحنيطي واحداً من أبناء الأردن الذين ارتبطت أسماؤهم بمرحلة مهمة من مسيرة القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي.
وسيظل اسمه حاضراً في وجدان كل من يعرف قيمة الجندية، ومعنى القيادة، وقدسية خدمة الوطن.
فمن خدم الأردن بإخلاص، لا يُقال له وداعاً… بل يُقال له: جزاك الله عن الوطن خير الجزاء.
حفظ الله الأردن، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، القائد الأعلى للقوات المسلحة الأردنية، وحفظ ولي عهده الأمين سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، وحفظ جيشنا العربي وأجهزتنا الأمنية، وأدام على وطننا نعمة الأمن والاستقرار.
الفريق يوسف الحنيطي… تقاعدت من الموقع، لكنك لم تتقاعد من ذاكرة الوطن.