ثمة آباء يفرحون بأبنائهم لأنهم نجحوا، وآباء يفاخرون بهم لأنهم بلغوا المناصب، وآباء يرون في أبنائهم امتدادًا لأسمائهم ومكانتهم الاجتماعية، غير أن هناك آباءً من طراز آخر، يجعلون من نجاح أبنائهم قيمة تتجاوز الأسرة إلى المجتمع والوطن والإنسانية. وفي هذا السياق يمكن قراءة نظرة الأستاذ الدكتور محمد عبد الحتاملة إلى أبنائه، ولا سيما الدكتور والعالم عمر الحتاملة والدكتور قيصر الحتاملة، بوصفها نظرة علمية وفكرية عميقة، تقوم على الإيمان بأن الابن المتعلم لا تكتمل قيمته بالشهادة التي يحملها، ولا بالمنصب الذي يصل إليه، وإنما بما يضيفه إلى المعرفة الإنسانية، وما يقدمه لوطنه وأمته، وما يتركه من أثر يبقى بعد رحيله.
فالأستاذ الدكتور محمد عبده الحتاملة، في هذه الرؤية، لا ينظر إلى أبنائه باعتبارهم مجرد أبناء نجحوا في حياتهم الأكاديمية والمهنية، وإنما ينظر إليهم باعتبارهم مشروعًا علميًا وإنسانيًا ينبغي أن يستمر في البحث عن الحقيقة، وأن يواصل المسيرة التي بدأها السابقون، ثم يتجاوزها بإضافة الجديد. وهذه فلسفة بالغة العمق؛ لأن العلم في جوهره ليس تكرارًا لما قاله الآخرون، وإنما هو قدرة الإنسان على أن يفتح نافذة جديدة في جدار المعرفة.
ومن هنا يمكن فهم معنى أن يكون الأبناء "خدامًا للوطن". فخدمة الوطن، وفق هذه الرؤية، ليست محصورة في وظيفة حكومية أو منصب إداري أو حضور اجتماعي، بل إن العالم الذي يعمل في جامعة عالمية، أو في مؤسسة بحثية دولية، أو في وكالة فضاء، أو في مختبر للذكاء الاصطناعي، يمكن أن يكون في صميم خدمة وطنه إذا حمل اسم وطنه بأخلاقه، ورفع مكانته بإنجازه، ونقل المعرفة إليه، وفتح أمام أبنائه وشبابه أبوابًا جديدة إلى المستقبل.
وهذا تحديدًا ما يجعل تجربة الأستاذ الدكتور عمر محمد عبده الحتاملة جديرة بالقراءة. فقد انتقل من التكوين الهندسي والأكاديمي إلى مجالات الابتكار والتقنيات المتقدمة والفضاء والذكاء الاصطناعي، وارتبط اسمه بوكالة ناسا وبعدد من المؤسسات العلمية الدولية، حتى أصبح أحد الوجوه الأردنية الحاضرة في قلب التحولات العلمية والتكنولوجية الكبرى. وقد تناولت مصادر حديثة مسيرته في ناسا ودوره في الذكاء الاصطناعي والابتكار والتقنيات المستقبلية.
لكن القيمة الحقيقية لهذه المسيرة، في نظري، ليست في اسم "ناسا" وحده، ولا في المناصب التي تقلدها، وإنما في السؤال الذي تقودنا إليه هذه التجربة: ماذا أراد الأستاذ الدكتور محمد عبد الحتاملة أن يكون أبناؤه؟
والجواب يبدو واضحًا: أرادهم أن يكونوا علماء يبحثون عن الحقيقة، لا موظفين يبحثون عن الوظيفة؛ وأن يكونوا أصحاب رسالة، لا أصحاب ألقاب؛ وأن ينظروا إلى العلم باعتباره مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون امتيازًا شخصيًا.
إن الأب الذي يربي أبناءه على هذا المفهوم لا يقول لهم: "كونوا مثلي"، وإنما يقول لهم بصورة أعمق: "كونوا أنفسكم، ولكن كونوا أفضل مما سبقكم". ولذلك فإن اختلاف تخصص الأبناء عن تخصص والدهم ليس خروجًا عن منهجه، بل هو ربما أصدق تعبير عن منهجه. فإذا كان الأب قد اختار التاريخ والبحث والمعرفة الإنسانية مجالًا لعطائه، فإن عمر اختار الهندسة والفضاء والذكاء الاصطناعي، واختار قيسر مساره العلمي الخاص، لكن الجامع بينهم ليس التخصص، وإنما المنهج.
فالمنهج العلمي واحد، وإن اختلفت ميادين العلم.
المؤرخ يبحث عن الوثيقة، والعالم يبحث عن الحقيقة العلمية؛ المؤرخ يقارن الروايات، والعالم يقارن النتائج؛ المؤرخ يرفض أن يبني حكمه على مصدر واحد غير موثوق، والعالم لا يقبل نتيجة بلا دليل وتجربة؛ وكلاهما يبدأ بالسؤال، ثم يبحث، ثم يحلل، ثم يستنتج.
وهنا تكمن عظمة التربية العلمية الحقيقية.
فالأستاذ الدكتور محمد عبده الحتاملة، وفق هذه الرؤية، لم يكن يريد لأبنائه أن يعيشوا في ظل اسمه، وإنما أراد لهم أن يصنعوا أسماءهم بأعمالهم. وهذه نقطة جوهرية في بناء شخصية العالم؛ لأن الأبناء الذين يرثون الاسم دون أن يصنعوا الإنجاز يبقون أسرى للماضي، أما الذين يرثون المنهج ثم يضيفون إليه، فإنهم يحولون الإرث إلى مستقبل.
ولذلك فإن عمر الحتاملة، عندما يعمل في مجال الفضاء والذكاء الاصطناعي، لا يكون بعيدًا عن رسالة أبيه، وإنما يترجمها في ميدان جديد. فإذا كان الأب يقرأ تاريخ الإنسان ليستخلص منه العبر والقوانين والاتجاهات، فإن الابن يقرأ مستقبل الإنسان من خلال التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والفضاء. وبين الماضي والمستقبل توجد كلمة واحدة تجمعهما: المعرفة.
ومن أجمل ما يمكن أن يقال في هذا السياق إن الأستاذ الدكتور محمد عبده الحتاملة لم يربِّ أبناءه على أن يكونوا "أبناء عالم"، بل ربّاهم على أن يكونوا "علماء". والفارق بين العبارتين كبير جدًا؛ فالأولى تمنح الإنسان مكانة اجتماعية، أما الثانية فتفرض عليه مسؤولية معرفية وأخلاقية.
العالم الحقيقي لا يستطيع أن يعيش لنفسه فقط؛ لأن المعرفة التي يصل إليها ليست ملكًا شخصيًا مغلقًا، وإنما أمانة. وكلما اتسعت معرفة الإنسان اتسعت مسؤوليته.
ولهذا فإن وصول الدكتور عمر إلى مواقع علمية عالمية لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه هجرة للعقل الأردني، بل يمكن أن يُقرأ، في أفضل صوره، بوصفه انتشارًا للعقل الأردني في مراكز المعرفة العالمية. فالوطن لا يخسر أبناءه العلماء عندما يذهبون إلى العالم إذا ظلوا مرتبطين به علميًا وفكريًا وإنسانيًا، بل يمكن أن يكسب من وجودهم إذا تحولوا إلى جسور بين الداخل والخارج.
وقد ظهر هذا البعد في عودة الدكتور عمر إلى الأردن ومشاركته في فعاليات ومحاضرات علمية تناولت الذكاء الاصطناعي ومستقبل التعليم والعمل وصناعة القرار والتحولات التقنية، بما يعكس إمكانية تحويل الخبرة العالمية إلى معرفة يستفيد منها المجتمع الأردني والعربي.
وهنا تتجلى فلسفة الأب بصورة أوضح: أن يكون الابن حيث يستطيع أن يقدم أفضل ما لديه، ولكن ألا ينسى من أين جاء.
أما الدكتور قيصر الحتاملة، فإنه يمثل، إلى جانب شقيقه عمر، صورة أخرى لهذا الامتداد العلمي؛ فليس المقصود أن يتكرر الأبناء في تخصص واحد أو في مسار واحد، وإنما أن تتعدد مجالات المعرفة داخل الأسرة الواحدة، وأن يكون لكل ابن مجاله، وبصمته، وشخصيته العلمية المستقلة.
وهذا هو الفهم الراقي لفكرة "أبناء العالم": أن يكونوا أبناءً للوطن في انتمائهم، وأبناءً للعلم في تفكيرهم، وأبناءً للإنسانية في رسالتهم.
إن الوطن لا يحتاج فقط إلى من يدافع عن حدوده، بل يحتاج أيضًا إلى من يوسع حدود المعرفة فيه. ولا يحتاج فقط إلى من يبني الطرق والمباني، بل يحتاج إلى من يبني العقول. ولا يحتاج فقط إلى من يحافظ على ما أنجزه السابقون، وإنما يحتاج إلى من يضيف إلى ما أنجزوه إنجازًا جديدًا.
ومن هنا فإن رؤية الأستاذ الدكتور محمد عبده الحتاملة لأبنائه تبدو قائمة على قاعدة حضارية عظيمة: "لا تكن نسخة من أبيك، بل كن امتدادًا لقيمه في مجال آخر".
فالأبناء لا يُقاس نجاحهم بمدى تشابههم مع آبائهم، وإنما بقدرتهم على حمل القيم التي تربوا عليها ثم إنتاجها في زمنهم الخاص.
وهكذا يصبح عمر الحتاملة امتدادًا علميًا في فضاء مختلف، ويصبح قيصر امتدادًا آخر في ميدان مختلف، ويبقى الأب جامعًا بينهم لا بفرض تخصص واحد عليهم، وإنما بزرع قيمة واحدة فيهم: احترام العلم، والبحث عن الحقيقة، وخدمة الإنسان.
وهذا هو المعنى الأجمل للانتماء الوطني؛ أن تحب وطنك لا بالكلمات وحدها، وإنما بأن تجعل اسم وطنك حاضرًا في إنجازك. أن يكون علمك نافعًا، وبحثك صادقًا، وعملك متقنًا، وسلوكك مشرفًا، وأن تجعل الآخرين ينظرون إلى وطنك من خلال ما تقدمه أنت من معرفة وأخلاق وإبداع.
إن أبناء الأستاذ الدكتور محمد عبده الحتاملة، في هذه القراءة، ليسوا مجرد أبناء أسرة علمية، وإنما يمثلون فكرة أكبر: فكرة انتقال المعرفة من جيل إلى جيل، لا على شكل معلومات محفوظة، بل على شكل منهج في التفكير والحياة.
وقد يكون أعظم ما يمكن أن يتركه العالم لأبنائه ليس المال، ولا المنصب، ولا الشهرة، وإنما طريقة النظر إلى الحياة؛ أن يعلمهم أن الحقيقة تستحق البحث، وأن العلم يستحق التضحية، وأن الوطن يستحق الإخلاص، وأن الإنسان يستحق أن تُسخّر المعرفة لخدمته.
ومن هنا فإن الأستاذ الدكتور محمد عبده الحتاملة يستطيع أن ينظر إلى أبنائه بعين الأب، ولكن بعقل العالم؛ يفرح بعمر لأنه وصل إلى مواقع علمية عالمية، ويفرح بقيسر لأنه يواصل طريقه العلمي، لكنه، قبل كل ذلك، يريد أن يراهما محبين لوطنهما، معتزين بأمتهما، مستقلين في تفكيرهما، مخلصين في عملهما، متواضعين أمام العلم، ومؤمنين بأن ما وصل إليه الإنسان اليوم ليس نهاية المعرفة، وإنما بداية سؤال جديد.
وهذا هو جوهر الرسالة التي ينبغي أن يحملها الأبناء: أن العالم الذي نعيش فيه لم ينتهِ بعد، وأن أمام الإنسان دائمًا حقيقة جديدة يمكن اكتشافها، وسؤالًا جديدًا يمكن طرحه، ونظرية يمكن تطويرها، ومشكلة يمكن حلها، ومعرفة يمكن إضافتها.
إن خدمة الوطن، في أرقى صورها، هي أن تضيف إليه شيئًا لم يكن موجودًا قبلك.
وخدمة الأمة هي أن تفتح لها نافذة على المستقبل.
وخدمة الإنسانية هي أن تجعل العلم الذي وصلت إليه نافعًا للإنسان أينما كان.
وهكذا يمكن أن نفهم أبناء الأستاذ الدكتور محمد عبده الحتاملة: ليسوا مجرد أبناء يحملون اسمه، وإنما أبناء يحملون منهجه؛ منهج البحث، والدقة، والموضوعية، واحترام الحقيقة، والإيمان بأن العلم لا وطن له من حيث المعرفة، لكنه يصبح وطنيًا حين يُسخَّر لخدمة الوطن، ويصبح إنسانيًا حين يتجاوز حدود الجغرافيا ليخدم الإنسان.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية لهذه الأسرة العلمية: أن الأب لم يرد لأبنائه أن يعيشوا في ظله، بل أراد أن يكون لهم ظلهم الخاص؛ وأن يقرروا مصيرهم بأنفسهم، وأن يختاروا ميادينهم، وأن يصنعوا مستقبلهم، ولكن على أرضية ثابتة من حب الوطن، والانتماء للأمة، واحترام العلم، والإيمان بالإنسان.
تلك هي التربية التي تصنع العلماء حقًا: أن تمنح أبناءك الجذور، ثم تترك لهم حرية أن يختاروا اتجاه السماء.