ان تحديث القطاع العام لم يعد خيارًا إداريًا يمكن تأجيله، بل أصبح ضرورة وطنية تفرضها المتغيرات الاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية اللامتناهية، وترنو اليه تطلعات المواطنين وحاجتهم في توفر خدمات حكومية متميزة أكثر كفاءة وجودة. فما من شك أن نجاح الدولة في تحقيق التنمية المستدامة وتعزيز تنافسيتها يرتبط ارتباطًا وثيقًا بقدرة مؤسساتها العامة على مواكبة المتغيرات آنفة الذكر، وتبني أساليب عمل حديثة تقوم على الكفاءة والشفافية والابتكار.وفي الأردن على الرغم من إدراك الحكومات المتعاقبة لأهمية هذا الملف، وما شهدته السنوات الأخيرة من خطوات إصلاحية شملت إعادة هيكلة بعض المؤسسات، ودمج عدد من الدوائر الحكومية، وتطوير التشريعات، والتوسع في التحول الرقمي وحوسبة الإجراءات، فإن هذه الإجراءات على أهميتها، لا تكفي وحدها لإحداث التحول المنشود .إن لم تستند إلى رؤية وطنية واضحة، ومنهجية متكاملة تحدد الأولويات، وتقيم الأداء، رؤية تحارب الواسطة والمحسوبية التي استشرت في مؤسساتنا الرسمية للأسف. فالتطوير الحقيقي للقطاع العام في نظري لا يبدأ بإعادة تشكيل الهياكل التنظيمية أو تقليص عدد المؤسسات، بل يبدأ بتغيير الثقافة السائدة لدى الإدارة ذاتها. لأن تحديث القطاع العام يعتمد قبل كل شيء على نوعية القيادات الإدارية، ومدى قدرتها على إحداث التغيير المنشود، وترسيخ قيم العدالة والنزاهة والشفافية، والانتصار للمصلحة الوطنية ووضعها فوق أي اعتبارات أو ولاءات جهوية ضيقة. أن أبرز التحديات التي تواجه مؤسسات القطاع العام يتمثل في استمرار تأثير الانتماءات الضيقة والعلاقات الشخصية في ممارسات الإدارة، والذي ينعكس غالبًا على آليات الاختيار والترشيح والتعيين. لأن تقديم الاعتبارات الشخصية أو الجهوية على معيار الكفاءة، يضعف مبدأ تكافؤ الفرص، ويؤثر سلبًا في الأداء المؤسسي، ويحد من قدرة الجهاز الإداري على استقطاب أفضل الكفاءات الوطنية. وندلل على ذلك بالوقائع التي اثارها الرأي العام الأردني خلال السنوات الماضية من نقاشات واسعة حول التعيينات في عدد من المؤسسات والوزارات، والذي يشير بصورة واضحة الى تنامي وعي المجتمع بأهمية ترسيخ مبادئ العدالة والشفافية في اشغال الوظائف في القطاع العام، باعتبارها المدخل الحقيقي لتعزيز الثقة بالمؤسسات العامة ونأمل ان يعي القائمين على الإدارات العامة ذلك جيدا. إن مواجهة تلك التحديات لا تكون بإصدار التعليمات أو تعديل القوانين والأنظمة، بل تستلزم إحداث تغيير حقيقي ناجز وشامل في الثقافة السائدة، من خلال تعزيز قيم المواطنة، وترسيخ الولاء للوطن ومؤسساته، واعتماد الكفاءة والخبرة والنزاهة أساسًا وحيدًا في الاختيار والتكليف بالعمل العام تحقيقا للعدل والانصاف. أيضا تتطلب تمكين الكفاءات الوطنية، وفتح المجال أمام أصحاب الخبرة والمعرفة للمشاركة في صنع القرار، بعيدًا عن أي اعتبارات ضيقة لا تخدم المصلحة العامة.
وختما فان بناء القطاع العام كجهاز اداري مهني وحديث يستند إلى المنافسة العادلة، ويحفز الإبداع والتميز، هو الضمانة الحقيقية لنجاح برامج التحديث وأن القضاء على مظاهر المحسوبية والشللية، وترسيخ مبدأ سيادة القانون، كل ذلك من شأنه أن يعزز الثقة بالمؤسسات، ويرفع كفاءة الأداء الحكومي، وينعكس مباشرة على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين ويبقى الوطن أكبر من جميع الانتماءات الضيقة، وأسمى من أي مصالح شخصية أو فئوية. فالإدارة العامة الحديثة لا تُبنى إلا بالكفاءات الوطنية المؤهلة، والعقول المنفتحة، والقيادات التي تؤمن بأن قوة الدولة في قوة مؤسساتها وعدالة إدارتها وقدرتها على مواجهة تحديات المستقبل، وتحقيق التنمية الشاملة، وترسيخ دولة المؤسسات والقانون، في ظل القيادة الهاشمية الحكيمة بقيادة جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، وسمو ولي عهده الأمين حفظهما الله.