نيروز الإخبارية : أعادت مجلة لوموند ديبلوماتيك، في عددها الصادر خلال آب/أغسطس 2026، إحياء شهادة نادرة للشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش، بعد نشر تسجيل ظل محفوظًا في الأرشيف لما يقارب خمسين عامًا، وكان قد أُنجز في بيروت عام 1976 ضمن لقاء أُعدّ للبث عبر إذاعة فرانس كولتور، قبل أن يتوقف نشره في ذلك الوقت.
وتحمل هذه الوثيقة أهمية خاصة، إذ تُظهر محمود درويش وهو يتحدث عن تجربته بلسانه، مستعرضًا ملامح طفولته، وبداياته مع الشعر، والظروف التي شكّلت وعيه الإنساني والفكري، بعيدًا عن الصورة الرمزية التي ارتبطت باسمه في العقود اللاحقة.
ويستعيد درويش في شهادته ذكريات قرية البروة في الجليل، حيث عاش سنواته الأولى قبل أن تفرض نكبة عام 1948 على أسرته النزوح إلى جنوب لبنان، ثم العودة لاحقًا ليجد قريته وقد أزيلت من الوجود. ويصف تلك التجربة بوصفها نقطة التحول التي رسخت لديه مفهوم الهوية والانتماء، وأصبحت لاحقًا أحد أبرز المرتكزات في مشروعه الشعري.
كما يتناول بدايات علاقته بالشعر، مؤكدًا أن القصيدة لم تكن خيارًا أدبيًا مجردًا، بل جاءت استجابة لواقع فرضته المأساة الفلسطينية، بعدما أدرك منذ صغره قدرة الكلمة على حفظ الذاكرة ومواجهة محاولات الطمس والنسيان.
وتكشف الوثيقة أيضًا عن رؤيته للفن والشعر، إذ يؤكد أن القصيدة الحقيقية تجمع بين القيمة الجمالية والرسالة الإنسانية، رافضًا حصر الأدب في الشعارات أو الخطابات السياسية المباشرة، ومشددًا على أن قوة النص تنبع من صدقه الفني والإنساني معًا.
وتتضمن الشهادة جوانب شخصية من حياته، من بينها موقف والده الرافض للتعويض عن الأرض المصادرة، إلى جانب حديثه عن الشهرة وتحوله إلى رمز ثقافي، مؤكدًا أن الشاعر ينبغي أن يبقى منفتحًا على التجديد والتجربة، وألا يتحول إلى صورة جامدة.
وتمنح هذه الوثيقة القرّاء فرصة لإعادة التعرف إلى محمود درويش من زاوية أكثر قربًا وإنسانية، من خلال شهادة توثق ملامح تجربته قبل أن يصبح أحد أبرز الأصوات الشعرية في الأدب العربي الحديث.