نيروز الإخبارية : شهد قطاع التقنيات الطبية في الصين تطورًا لافتًا بعد إجراء أول عملية زراعة تجارية في العالم لواجهة دماغ–حاسوب غازية معتمدة من الجهات التنظيمية، في خطوة تُعد محطة مفصلية في انتقال هذه التقنية من نطاق الأبحاث والتجارب إلى التطبيق السريري.
وأُجريت العملية في مستشفى هواشان بمدينة شنغهاي لمريض يعاني ضعفًا في وظائف يده منذ نحو عشرة أعوام إثر تعرضه لحادث سير، حيث استُخدم نظام NEO المطور من شركة Neuracle Technology، والذي يعتمد على التقاط إشارات الدماغ وفك تشفيرها لاستعادة الحركة عبر أجهزة مساعدة خارجية.
ويأتي هذا الإنجاز بعد حصول النظام، في مارس 2026، على موافقة الهيئة الوطنية الصينية للمنتجات الطبية كأول جهاز طبي قابل للزرع يعتمد تقنية واجهة الدماغ والحاسوب ويحصل على ترخيص للاستخدام التجاري على مستوى العالم.
ويتزامن هذا التطور مع تنامي الاستثمارات في قطاع واجهات الدماغ والحاسوب داخل الصين، إذ تشير بيانات منصة IT Juzi إلى أن 43 شركة متخصصة في هذا المجال نجحت، منذ عام 2013 وحتى مايو 2026، في استقطاب تمويلات بلغت نحو 9.37 مليار يوان عبر 104 جولات استثمارية، فيما سجلت الأشهر الأولى من عام 2026 وحدها تمويلات تجاوزت إجمالي ما تحقق خلال عام 2025.
ويرى مختصون أن هذا النمو يعكس ثقة متزايدة بمستقبل تقنيات الأعصاب، رغم أن غالبية الشركات لا تزال في مراحل البحث والتجارب السريرية، بينما يتركز التحدي على إثبات فعالية هذه الأنظمة وقدرتها على تحسين حياة المرضى بتكاليف مناسبة.
ولتعزيز هذا التوجه، عززت الحكومة الصينية استثماراتها طويلة الأجل في القطاع، عبر إطلاق صندوق وطني لرأس المال الاستثماري يمتد لعشرين عامًا، بهدف دعم الصناعات المستقبلية وتمويل مشروعات البحث والتطوير، إلى جانب إنشاء صناديق إقليمية متخصصة في بكين وشنغهاي وشنتشن لدعم تقنيات واجهات الدماغ والحاسوب والمكونات المرتبطة بها.
وفي الجانب البحثي، تتواصل الجهود لتوسيع استخدامات هذه التقنية في المجال الطبي، لا سيما في إعادة التأهيل العصبي. وشهدت مسابقة الصين الرابعة لواجهات الدماغ والحاسوب، التي استضافتها بكين، مشاركة أكثر من 320 فريقًا ونحو ألف باحث يمثلون أكثر من 150 جامعة ومؤسسة وشركة من مختلف أنحاء العالم، حيث عرض المشاركون ابتكارات في مجالات فك تشفير الإشارات العصبية، وأجهزة التقاط الإشارات، والتطبيقات السريرية.
ومن أبرز المشاريع المعروضة نظام ذكي لإعادة تأهيل اليد لمرضى السكتات الدماغية طوره باحثون من جامعة يانشان، يعتمد على قراءة إشارات الدماغ وتحويلها إلى أوامر تساعد المرضى على استعادة حركة الأصابع، إلى جانب روبوت لإعادة تأهيل الأطراف السفلية طورته جامعة تيانجين، يجمع بين التحكم الدماغي والتحفيز الكهربائي الوظيفي لدعم عملية التعافي.
ورغم هذا التقدم، يؤكد خبراء أن التقنية لا تزال تواجه تحديات تتعلق بضمان السلامة والاستقرار طويل الأمد، وإثبات جدواها السريرية على نطاق واسع، إلى جانب خفض تكاليفها ووضع آليات تمويل مناسبة للمستشفيات وشركات التأمين والمرضى، فضلًا عن معالجة الجوانب الأخلاقية المرتبطة بخصوصية البيانات العصبية والعلاقة بين الإنسان والآلة.
ومع دخول هذه التقنية مرحلة التطبيق السريري، تبدو الصين أقرب من أي وقت مضى إلى تحويل واجهات الدماغ والحاسوب من مشاريع بحثية واعدة إلى أدوات علاجية يمكن أن تحدث تحولًا في مستقبل الرعاية الصحية، إلا أن نجاحها على نطاق واسع سيظل مرهونًا بقدرتها على تجاوز التحديات التقنية والاقتصادية والتنظيمية.