أصبحت الجلوة العشائرية اليوم من أكثر القضايا إثارةً للجدل في الشارع الأردني، بين مؤيد يراها صمام أمان للمجتمع، ومعارض يدعو إلى إلغائها باعتبارها تمس أبرياء لا ذنب لهم. والحقيقة أن هذا العرف العشائري الأصيل كان، عبر عقود طويلة، وسيلةً لحقن الدماء واحتواء الفتن والحفاظ على السلم الأهلي، ولم يكن في يوم من الأيام بديلاً عن القضاء أو منافساً لسلطة الدولة، بل كان عاملاً مساعداً في حفظ الأمن والاستقرار.
وقد جاءت الوثيقة العشائرية لتضع إطاراً أكثر عدالة، فحصرت الجلوة في أفراد دفتر عائلة الجاني، بعد أن كانت تمتد إلى نطاق أوسع، وهو ما شكّل خطوة مهمة في تحقيق التوازن بين احترام الأعراف العشائرية وعدم تحميل الأبرياء تبعات جرم لم يرتكبوه.
ومع ازدياد جرائم القتل التي يرتكبها بعض متعاطي المخدرات، وأصحاب السوابق الجرمية، والشباب المتهور، أو تلك التي تقع نتيجة لحظة غضب أو أثناء الدفاع المشروع عن النفس، عاد الجدل حول الجلوة العشائرية ليتصدر المشهد. ومن وجهة نظري، فإن إلغاء الجلوة ليس هو الحل، لأن طبيعة المجتمع الأردني وما يتميز به من ترابط عشائري ما زالت تستوجب وجود إجراء احترازي مؤقت يمنع الاحتكاك بين ذوي الجاني وذوي المجني عليه، ويحول دون أي أعمال انتقام أو ثأر، حفاظاً على الأرواح والممتلكات والأمن العام والسلم المجتمعي.
ومن هنا، فإنني أؤيد الإبقاء على الجلوة العشائرية وفق أحكام الوثيقة العشائرية، بحيث تقتصر على أفراد دفتر عائلة الجاني، لما في ذلك من احترام لكرامة ذوي المجني عليه، وتهدئة للنفوس، وإتاحة المجال أمام جهود الصلح، وتمكين القضاء من أداء رسالته بعيداً عن أي ضغوط أو احتقان.
وفي المقابل، فإن نجاح هذا التنظيم يقتضي الإسراع في الفصل في قضايا القتل منذ تاريخ وقوع الجريمة وحتى صدور الحكم القضائي النهائي على القاتل، لأن العدالة الناجزة هي الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وتحقيق الاستقرار، كما أنها تحد من الآثار الاجتماعية والنفسية التي تترتب على استمرار الجلوة لفترات طويلة. وأقترح أن تنتهي الجلوة العشائرية بعد مضي ستة أشهر من تاريخ صدور الحكم القضائي النهائي على القاتل، أو قبل ذلك في جميع الحالات التي يتم فيها الصلح العشائري برضا ذوي المجني عليه وذوي الجاني، وبموافقة الجهات الرسمية المختصة، باعتبار أن الغاية من الجلوة هي تهدئة النفوس ومنع الاحتكاك وحقن الدماء، فإذا تحقق الصلح أو انقضت المدة بعد صدور الحكم النهائي، انتفى موجب استمرارها.
إن الجلوة العشائرية ليست عقوبة جماعية، وإنما هي إجراء احترازي اجتماعي مؤقت يهدف إلى حماية الأرواح، وحقن الدماء، والمحافظة على الأمن العام والسلم المجتمعي حتى تستقر الأوضاع ويأخذ القضاء مجراه. ولذلك فإن المطلوب ليس إلغاء هذا العرف الأصيل، وإنما تطويره وتقنينه بما ينسجم مع أحكام الدستور وسيادة القانون، مع وضع ضوابط واضحة لمدتها وآلية انتهائها، بما يحقق العدالة، ويحفظ كرامة ذوي المجني عليه، ويصون حقوق أسرة الجاني.
إن المحافظة على الأعراف العشائرية الأصيلة وتطويرها بما ينسجم مع دولة القانون والمؤسسات، هو النهج الذي يعزز الأمن والاستقرار، ويؤكد أن العشائر الأردنية كانت وستبقى سنداً للدولة، وشريكاً في ترسيخ السلم المجتمعي، تحت ظل القيادة الهاشمية الحكيمة.