ليست الدولة كياناً إدارياً تُقاس قيمته بما ينجزه في يوم أو عام، وليست مؤسسةً يمكن اختزال دورها في خدمةٍ تُقدَّم أو قرارٍ يُتخذ. الدولة منظومةٌ متكاملة، تحمل على عاتقها مسؤولية بناء الحاضر، وصناعة المستقبل، وحماية التوازن بين متطلبات التنمية واستقرار المجتمع. ومع ذلك، كثيراً ما تُقابل جهودها بأحكامٍ متعجلة، تُبصر مواضع القصور، وتعجز عن رؤية الأعباء المتراكمة التي تتحملها في سبيل بقاء المجتمع مستقراً وقادراً على النمو.
ومن هذا الباب، فإن القراءة الاقتصادية لدور الدولة تكشف حقيقةً يغفل عنها كثيرون؛ إذ لا تنحصر مسؤوليتها في إدارة المؤسسات العامة، وإنما تمتد إلى إدارة الاقتصاد الوطني بأكمله، والمحافظة على توازنه في مواجهة المتغيرات الداخلية والخارجية. فهي التي تنشئ الطرق والموانئ والمطارات وشبكات الطاقة والاتصالات، وهي التي تستثمر في التعليم والصحة والأمن، وتوفر البيئة التي يستطيع فيها القطاع الخاص أن ينتج، والمستثمر أن يغامر، والمواطن أن يعمل ويعيش في إطارٍ من الاستقرار.
ولعل من الجدير ذكره أن أعظم ما تتحمله الدولة لا يظهر للعين المجردة. فإدارة المالية العامة، والمحافظة على استقرار العملة، واحتواء التضخم، والتعامل مع البطالة، وتأمين الاحتياجات الأساسية للمجتمع، جميعها مسؤولياتٌ تتطلب قرارات دقيقة، وتوازناً مستمراً بين الإمكانات المحدودة والاحتياجات المتزايدة. وهي أعباء لا يشعر بها المواطن في الأحوال الطبيعية، لأنه يعتاد نتائجها، ولا يدرك قيمتها إلا عندما تختل.
وفي هذا السياق، يغدو الإنفاق العام أكثر من مجرد أرقامٍ في الموازنة، إذ يمثل استثماراً طويل الأجل في الإنسان والاقتصاد معاً. فالمدرسة التي تُبنى اليوم، والمستشفى الذي يُنشأ، والطريق الذي يُعبد، وشبكات المياه والطاقة التي تُطوَّر، ليست نفقاتٍ استهلاكية، وإنما أصولٌ اقتصادية ترفع الإنتاجية، وتعزز القدرة التنافسية، وتؤسس لنمو أكثر استدامة في المستقبل.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فالدولة تتحمل مسؤولياتٍ تتضاعف مع كل أزمة اقتصادية أو سياسية أو صحية. ففي أوقات الركود تتدخل لدعم النشاط الاقتصادي، وفي أوقات التضخم تسعى إلى حماية القوة الشرائية، وعند الأزمات العالمية تعمل على صون الأمن الاقتصادي والاجتماعي، حتى وإن ترتب على ذلك تحمل أعباء مالية إضافية أو ارتفاع في مستويات الدين العام. إنها تتحمل من المخاطر ما يعجز الأفراد والمؤسسات عن تحمله منفردين، حفاظاً على استقرار الاقتصاد الوطني واستمرار دورة الإنتاج.
ومع تسارع التحولات العالمية، وتنامي تأثير الثورة الرقمية، وتصاعد تحديات الأمن المائي والطاقة والتغير المناخي، تتسع دائرة المسؤوليات الملقاة على عاتق الدولة بصورة غير مسبوقة. فالمنافسة بين الدول لم تعد تقوم على الموارد التقليدية وحدها، وإنما على جودة المؤسسات، وكفاءة الحوكمة، وقدرتها على الاستثمار في المعرفة والابتكار ورأس المال البشري. ومن هنا، فإن نجاح الدولة لم يعد يقاس بحجم إنفاقها، وإنما بقدرتها على تحويل هذا الإنفاق إلى قيمة اقتصادية واجتماعية مستدامة.
إن الإنصاف يقتضي أن تُقرأ الدولة بعينٍ ترى الصورة الكاملة، لا بعينٍ تتوقف عند تفاصيلها الصغيرة. فالنقد الموضوعي ضرورة، والمساءلة ركيزة للإصلاح، غير أن العدالة تقتضي أيضاً الاعتراف بأن التنمية مسؤولية مشتركة، وأن الدولة، مهما بلغت قدرتها، لا تستطيع أن تنهض بالمجتمع دون شراكة حقيقية مع المواطن والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع كافة.
ويبقى المستقبل مرهوناً بقدرة الدولة على مواصلة بناء المؤسسات، وترسيخ سيادة القانون، وتعزيز الثقة، ورفع كفاءة إدارة الموارد العامة. فالدول لا تُقاس بما تمتلكه من إمكانات فحسب، وإنما بما تحسن إدارته من تلك الإمكانات، وبما تتركه من أثرٍ يمتد إلى الأجيال القادمة. وحين يدرك المجتمع حجم الأعباء التي تتحملها الدولة، يصبح أكثر وعياً بأهمية المحافظة على مؤسساتها، وأكثر قدرةً على الإسهام في مسيرة التنمية، لأن بناء الأوطان مسؤولية يشترك في حملها الجميع.