أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي، صباح اليوم الأحد، سيطرته الكاملة على "قلعة الشقيف" (بوفور) التاريخية في جنوب لبنان، وذلك في إطار عملية برية واسعة نفذها على امتداد مرتفعات الشقيف ومحيط وادي السلوقي. وجاء هذا التطور الميداني المتسارع بالتزامن مع استمرار المفاوضات السياسية التي تقودها واشنطن لإنهاء الصراع، وفي وقت كان يقود فيه لبنان الرسمي حراكاً ثقافياً لحماية المواقع الأثرية من التدمير الممنهج.
وادعى الاحتلال أن السيطرة على القلعة تهدف إلى "تدمير بنى حزب الله، تعزيز السيطرة العملياتية في الجنوب، وإزالة التهديد المباشر عن إصبع الجليل وبلدة المطلة".
وفور رفع العلم الإسرائيلي على القلعة، صرّح وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس بأن هذه الخطوة تمثل "رسالة واضحة للأعداء، بأن من يهددون مواطني إسرائيل سيخسرون مواقعهم الاستراتيجية تباعاً".
وتزامن هذا التقدم مع إعلان رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أن قواته عبرت نهر الليطاني وتجاوزته، وأنها موجودة أيضاً في بيروت وسهل البقاع شرقي لبنان، وجاء إعلانه بالتزامن مع الاجتماع الأمني المباشر الأول بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي المنعقد في واشنطن.
وفي قراءة عسكرية للموقع، يرى الخبير العسكري وقانوني الدولي، العميد أكرم سريوي، أن لقلعة الشقيف أهمية حاكمة بالغة في جغرافيا الحرب بالجنوب، حيث تقع القلعة على كتف وادي الليطاني (الجهة الغربية منه) مقابل مرجعيون والقليعة. وتشرف شرقاً على كامل وادي الليطاني الممتد من الجرمق إلى العديسة، وعلى كامل محور خط الشرق (كفركلا، برج الملوك، مرجعيون، ودبين). كما تشرف غرباً بشكل كبير على كفرتبنيت والنبطية وقراها.
وتمتاز القلعة بجرف صخري شديد الانحدار من جهتها الشرقية (بارتفاع 300 متر ينتهي عند نهر الليطاني)، مما يجعل التسلل أو الحركة من هذه الجهة مستحيلاً، في حين تتدرج الأرض بانحدار خفيف غرباً نحو بلدة أرنون. ولا يمكن الوصول إليها عسكرياً إلا من الجهات الغربية (النبطية، كفررمان، أرنون، ويحمر).
وتمنح السيطرة على هذه التلال الممتدة من زوطر الشرقية وصولاً إلى أرنون والقلعة، الطرف المسيطر أفضلية عسكرية نارية مباشرة لإمساك محاور التقدم، وتأمين الخطوط الخلفية.
أثار دخول القوات الإسرائيلية للقلعة دون مواجهة تساؤلات عسكرية، فككها العميد سريوي بناءً على المعطيات الراهنة:
غياب حزب الله عن التحصينات: أشار سريوي إلى أن القلعة قديمة ومحصنة جداً، ومن يتمركز داخلها يمتلك قدرة عالية على الصمود (مستشهداً بمعركة عام 1982 التاريخية ضد القوات الفلسطينية والتي استخدمت فيها إسرائيل الغاز الخانق لعدة أيام). إلا أن عدم حدوث معركة داخلها اليوم يشير إلى أن حزب الله لم يكن موجوداً فيها بالأساس.
تراجع أهمية التلال الحاكمة: يوضح الخبير العسكري أن استخدام حزب الله للمسيّرات أفقد التلال قسماً من قيمتها الاستراتيجية. فالصواريخ المضادة للدروع والأسلحة المباشرة هي التي تتطلب خط رؤية مباشر ووجوداً على تلال حاكمة؛ أما المسيّرات الحديثة فتصل إلى مسافات بعيدة (30 كم) ويتحكم بها المقاتل عبر الكاميرات الحرارية والنهارية وهو مختبئ في أي مكان آخر دون الحاجة لرؤية بصرية مباشرة.
ويأتي التدمير والاستهداف الإسرائيلي للقلعة ومحيطها في بلدة أرنون في ظل مأساة إنسانية وتراثية. وقد استنكرت بلدية أرنون هذا الاعتداء وتدمير البنى التحتية وتهجير الأهالي قسراً، مؤكدة أن القلعة هي شاهد حضاري وجزء من التراث الإنساني اللبناني.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، قاد وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة حراكاً رسمياً لحماية المواقع التراثية؛ حيث سلّم مذكرة خطية للمدير العام لمنظمة "اليونسكو" خالد العناني، مطالباً بحماية قلعة الشقيف المصنفة رسمياً منذ عام 2024 تحت بند "الحماية المعزّزة" بموجب البروتوكول الثاني لعام 1999 الملحق باتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة.
ورغم إعلان يسرائيل كاتس أن السيطرة على الشقيف تحمي المستوطنات، إلا أن الواقع الميداني أثبت عكس ذلك؛ إذ واصل حزب الله استهداف العمق الإسرائيلي (صفد، نهاريا، وكريات شمونة) بالصواريخ والمسيّرات.
وزاد من الضغط الميداني على قوات الاحتلال الإعلان عن مقتل وإصابة جنود من لواء "غفعاتي" بنيران المقاومة، إثر بدء الحزب استخدام مسيّرات مزودة بكاميرات حرارية للرؤية الليلية، مما بات يشلّ ويستهدف تحركات جيش الاحتلال التي كانت تستغل فترات الليل للتقدم والتوغل داخل الأراضي اللبنانية.