حتى لا تفوتك آخر الأحداث والأخبار العاجلة
بقلم: عمر الدريني
الزمنُ الذي صار سريعًا أكثر من الإنسان ...كيف فقد البشر القدرة على مجاراة إيقاع الحياة الحديثة
لم يعد الزمن كما كان، لم يتغير فيزيائيًا، لكنه تغيّر في شعور الإنسان به، صار اليوم أقصر مما ينبغي، والأسبوع يمرّ كأنه لحظة، والشهور تتساقط من الذاكرة دون أن تترك أثرًا واضحًا، كأن شيئًا غير مرئي قد ضغط زر "التسريع” في حياة البشر، ثم غادر بهدوء.
في الماضي، كان الزمن يشبه نهرًا يمكن للإنسان أن يجلس على ضفته ويتأمل جريانه، أما اليوم، فقد أصبح الزمن شريطًا سريعًا لا يسمح حتى بالنظر إليه.
كل شيء يُطلب فورًا: الرسالة يجب أن تُجاب الآن، والخبر يجب أن يُفهم فورًا، والنجاح يجب أن يتحقق بسرعة، حتى الحزن نفسه، لم يعد يُسمح له بأن يأخذ وقته الطبيعي.
لقد تحوّل الإيقاع الإنساني إلى إيقاع قلق، يقول الله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ عَجُولًا﴾
وكأن هذه الآية اليوم تُقرأ في ضوءٍ جديد، أكثر وضوحًا من أي وقت مضى، فالعجلة لم تعد سلوكًا، بل أصبحت بيئة كاملة يعيش فيها الإنسان.
في المدن الحديثة، لا أحد يسير ببطء دون سبب، حتى الخطوات صارت محسوبة، والوقت صار مقسمًا إلى وحدات صغيرة تُستهلك بسرعة.
فالانتظار، أصبح عبئًا نفسيًا، والصبر، يبدو أحيانًا كأنه مهارة من زمنٍ آخر.
لقد أعاد العالم الرقمي تشكيل علاقة الإنسان بالوقت بشكل جذري، لم يعد الإنسان يعيش "اللحظة”، بل يعيش "ما يلي اللحظة”.
يفكر في الرسالة القادمة وهو يكتب الحالية، ويقلق من الغد وهو لم ينهِ اليوم بعد، ويعيش في مستقبلٍ مستمر، بينما الحاضر يتسرب منه دون أن يشعر.
قال النبي ﷺ:" اغتنم خمسًا قبل خمس…"
وفي جوهر هذا المعنى دعوة خفية لإدراك الزمن قبل أن يتحول إلى شيء يُفلت من اليد، لكن الإنسان الحديث لم يعد يغتنم الزمن، بل يطارده، وكأن العلاقة انقلبت: بدل أن يستخدم الإنسان الوقت، أصبح الوقت هو من يستخدم الإنسان.
في الاقتصاد الحديث، السرعة ليست رفاهية، بل قيمة، كل شيء يقاس بمدى السرعة: سرعة الإنتاج، سرعة التسليم، سرعة الاستجابة، سرعة التعلم، سرعة النجاح.
حتى الإنسان نفسه أصبح يُقاس بسرعته: كم تنجز؟
كم تتعلم؟
كم تربح؟
كم تتقدم مقارنة بغيرك؟
وهكذا تحوّل الزمن من إطارٍ للحياة إلى معيارٍ للحكم على الإنسان، في المقابل، فقدت الأشياء البطيئة قيمتها تدريجيًا : القراءة الطويلة أصبحت نادرة، الحوار العميق أصبح صعبًا، الزيارة غير المخططة أصبحت استثناءً، والتفكير الهادئ أصبح ترفًا.
لقد انتصر الزمن السريع على الزمن الإنساني.
ومن المفارقات أن الإنسان كلما زادت سرعته، زاد شعوره بالتأخر: يعمل أكثر، لكنه يشعر أنه متأخر دائمًا، ويُنجز أكثر، لكنه لا يشعر بالإنجاز، ويصل أسرع، لكنه لا يشعر بالوصول، وكأن السرعة لم تعد وسيلة للوصول، بل أصبحت حالة دائمة من القلق.
في خلفية هذا المشهد، يظهر أثرٌ نفسي عميق: الإنهاك الزمني، إنه شعور داخلي بأن الوقت لا يكفي أبدًا، حتى لو كان كافيًا في الواقع، شعور يجعل الإنسان يعيش في ضغطٍ دائم، وكأنه مطالب بأن يلحق بشيءٍ لا يتوقف عن الهروب.
قال أحد الحكماء:" من يركض خلف الزمن، لا يصل إلى نفسه."
وهذه ربما هي المأساة الأعمق في العصر الحديث: أن الإنسان لم يعد يملك وقتًا ليكون مع نفسه.
حتى لحظات الراحة لم تعد راحة حقيقية: الإجازات أصبحت قصيرة ومحمّلة بالتوقعات، والعطلة تُستخدم أحيانًا لتعويض ما فاته الإنسان من سرعة الحياة، لا للانفصال عنها، وكأن الإنسان يأخذ استراحة من الركض، ليعود أسرع.
قال الله تعالى ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾
وفي هذا القسم الإلهي حضورٌ عميق لفكرة الزمن نفسه، ليس كوقتٍ فقط، بل كوعاءٍ للمعنى الإنساني.
فالخسارة ليست في الزمن ذاته، بل في طريقة استثماره.
في العالم الرقمي، الزمن لا يتوقف: التحديثات مستمرة، والإشعارات لا تنام، والأحداث تتدفق بلا نهاية.
وهذا التدفق المستمر جعل الإنسان في حالة حضورٍ دائم، لكنه حضورٌ مرهق، بلا عمق، فالحياة التي لا تتوقف، تُفقد الإنسان القدرة على التوقف داخليًا.
لقد أصبح الإنسان الحديث يعرف كل شيء في لحظته، لكنه لا يملك الوقت لفهم أي شيء بعمق:المعلومة سريعة، لكن الفهم بطيء، والانتباه قصير، لكن الضجيج طويل، وهنا يحدث الانفصال الخفي بين المعرفة والحكمة.
في زمنٍ سابق، كان الإنسان يحتاج سنوات ليصنع فهمًا داخليًا للعالم، أما اليوم، فهو يتلقى العالم في ثوانٍ، لكنه لا يجد وقتًا ليهضمه.
وهكذا يتراكم كل شيء: الأخبار، والأفكار، والمشاعر، والصور.
دون أن تتحول إلى معنى، ومع ذلك، لا يمكن تحميل الزمن مسؤولية هذا كله، فالزمن لم يتغير، الذي تغيّر هو الإنسان نفسه، وطريقة تعامله مع الحياة.
السرعة ليست مشكلة إذا كانت تحت السيطرة، لكنها تتحول إلى عبء حين تتحكم في صاحبها.
قال النبي ﷺ:" إن لنفسك عليك حقًا…"
وفي هذا المعنى تذكير بأن الإنسان ليس آلة إنتاج، بل كائن له حدود، وله طاقة، وله حاجة إلى السكون.
في النهاية، ربما لا تكمن المشكلة في أن الزمن أصبح سريعًا، بل في أن الإنسان لم يعد يعرف كيف يعيش ببطءٍ داخلي وسط هذا التسارع الخارجي : أن يحتفظ بمسافة بينه وبين الضجيج، وأن يختار لحظة لا يركض فيها خلف شيء، وأن يتذكر أن الحياة ليست سباقًا دائمًا، بل تجربة تحتاج إلى حضور.
فمن لا يملك زمنه، لا يملك نفسه.