هناك في مكان يحكي إرادة وعزم كللهما التوفيق الرباني تقيم بقلب وروح، كسنديانة عززت جذورها في الأرض حتى احتوتها كأم حنون، تلامس أيامها بنقاء لم تلطخه رحى الزمن رغم سحقه لها حين دار.
إنها بوابة السكون تأوي إليها الأنفس المتعبة من صخب الحياة وضجيج الوجع، كيف لتلك الأنفس التي كانت ماردة في جبروتها، قاسية في ألفاظها أن تحِن؟!
لكنها بشريتنا التي لا تنفكّ عنا بعد أن نقاسي الألم تتدفعنا بلا مبرر ولا شروط لتلك السنديانة علّ ظلها يرطب جفاف الروح وتحضن تربتها آخر فتات الأمل.
تلك التي تنسج عقد حب وتآخٍ كل يوم مع الزيتون لإنه مثلها عطاء وجذور أصيلة، كل يوم تحنو على الأعشاش التي تصنعها طيور من جيل تربى بالقرب منها شاعرا بالأمان مفعما بالسلام.
تعانق منزلا في كل زواياه حكاية بدأت بفرح وانتهت بنجاح فالسنديانة تلك لا تعرف التعاسة، وكيف تعرفها؟ أوَ تعرفها أنفس الانقياء؟!
لم تذهب للمعاهد العلمية ولم تخضع لدورات تدريبية في التنمية البشرية، لم تطالع في حقوق الإنسان، ولم تقرأ ميثاق الأمم المتحدة، لم تمسك قلما يوما لتكتب خاطرة، ولم تعتلي منصة لتتحدث، ولم تمسك ميكروفونا
فمن أين أتى كل ذلك الحب إذن؟!
كيف لها ان تسامح من كسّر اغصانها؟ وحاول اقتلاع جذورها؟ ورام لجعلها حطبا في موقدة، وسعى في خرابها كل مسعى.
كيف ظلت رغم كلّ هذا ممتدة الاغصان وارفة الظلال كثيرة الثمار جميلة المظهر والمخبر ؟!
للّه درها ما أشدّ صبرها وما أعمق جلدها.
إنها رواية زمن مَرَّ مُرا، ومسرحية فصولها غادرة غيبت زمن التفتح واطفأت قناديل الشباب حتى بهتت نظارة الخدين وترققَ العظم، هكذا اخبرتني السنديانة تألمت لأجلها فأنا فرع في اغصانها،وسيل ماء صغير في أوراقها.
فكيف إذن؟!
سألتها أمِن طين الأزل أنتِ؟ أقلبكِ من لفائف حرير قدسيّ؟
كلا، فقط هو التسامح واللين
اذهبوا فأنتم الطلقاء مذهبي، القدس تحتضن الزائرين قدوتي، غزة تقدم واجب الضيافة في الخيام هي أيضا قدوتي
هكذا أجابت.
حقا اللين لا يعرف حدودا ولا يفيض به إلا قلب سليم امتلئ بحب خالقه ففاض عفوا وحِلما
فكيف لاتزال بعض القلوب المتجبرة تخسر ودّ تلك السنديانة ؟