في الخامس والعشرين من أيار من كل عام، لا يحتفل الأردنيون بذكرى عابرة أو مناسبة وطنية تقليدية، بل يحتفلون بيومٍ غيّر مجرى التاريخ، يومٍ أعلن فيه الأردنيون ميلاد دولتهم الحرة المستقلة، لتبدأ رحلة وطنٍ كتب اسمه بحروف من نور في سجل العزة والكرامة. إنه يوم الاستقلال، اليوم الذي ارتفعت فيه راية المملكة الأردنية الهاشمية عاليةً خفاقة، لتعلن للعالم أن الأردن وطنٌ حرٌّ سيدٌ مستقل، يقوده الهاشميون بحكمة، ويحميه جيشٌ عربيٌ مصطفوي، ويصونه شعبٌ وفيٌّ لا يعرف إلا الانتماء والولاء.
لقد جاء استقلال المملكة الأردنية الهاشمية في الخامس والعشرين من أيار عام ١٩٤٦م تتويجًا لنضال طويل وإرادة صلبة قادها الهاشميون الأحرار الذين حملوا رسالة الثورة العربية الكبرى، تلك الرسالة التي قامت على مبادئ الحرية والكرامة والوحدة والنهضة العربية. ومنذ اللحظة الأولى للاستقلال، بدأ الأردن ببناء دولته الحديثة رغم قلة الإمكانيات وكثرة التحديات، لكنه استطاع بعزيمة قيادته وشعبه أن يتحول إلى وطنٍ شامخٍ ثابت الأركان، يحظى بالاحترام والتقدير في مختلف أنحاء العالم.
وفي هذه الذكرى الوطنية العظيمة، تتجه القلوب بكل حب وولاء إلى جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، القائد الأعلى للقوات المسلحة، الذي واصل حمل الأمانة الهاشمية بكل إخلاص واقتدار، فكان القائد الحكيم الذي جعل من مصلحة الوطن والمواطن أولويةً لا تتقدمها أي مصلحة أخرى. لقد استطاع جلالته، بحكمته ورؤيته الثاقبة، أن يقود الأردن وسط أمواجٍ عاتية من الأزمات الإقليمية والدولية، محافظًا على أمن الوطن واستقراره وهيبته، حتى أصبح الأردن نموذجًا عالميًا في الاعتدال والإنسانية والتماسك الوطني.
إن جلالة الملك عبدالله الثاني لم يكن يومًا قائدًا بعيدًا عن شعبه، بل كان دائم الحضور بين أبناء وطنه، يتفقد أحوالهم، ويشاركهم أفراحهم وهمومهم، مؤمنًا بأن قوة الأردن الحقيقية تكمن في الإنسان الأردني الذي أثبت دائمًا أنه على قدر المسؤولية والانتماء. وقد حمل جلالته رسالة الأردن إلى العالم بكل شجاعة وثبات، مدافعًا عن قضايا الأمة العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، ومؤكدًا أن الأردن سيبقى صوت الحكمة والحق والسلام.
كما يبرز في مسيرة الوطن الدور المشرق لسمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، الذي أصبح رمزًا للشباب الأردني الطموح، وصورةً مشرقةً للقائد القريب من أبناء جيله. فقد استطاع سموه أن يعزز حضور الشباب في مسيرة البناء والتحديث، مؤمنًا بأن مستقبل الأردن يُصنع بعقول شبابه وسواعدهم. ويمثل سمو ولي العهد امتدادًا طبيعيًا للنهج الهاشمي القائم على الحكمة والإنسانية والعمل المخلص من أجل الوطن.
وفي عيد الاستقلال، لا بد من الوقوف بكل إجلال وفخر أمام الجيش العربي المصطفوي، هذا الجيش الذي سطّر أروع البطولات في صفحات التاريخ، وكان وما زال درع الوطن وسيفه. فمنذ تأسيسه، حمل الجيش الأردني رسالة الشرف والتضحية، وقدم الشهداء دفاعًا عن الوطن والأمة، حتى أصبح مثالًا يحتذى في الانضباط والاحتراف والشجاعة. لقد كان الجيش العربي حاضرًا في كل المواقف الوطنية والقومية، يذود عن الأرض ويحفظ الكرامة ويؤكد أن الأردن سيبقى قويًا بعزيمة جنوده الأبطال.
كما تستحق أجهزتنا الأمنية كافة كل الاحترام والتقدير لما تبذله من جهود عظيمة في حماية أمن الوطن واستقراره. فعيونهم الساهرة وجاهزيتهم العالية كانت ولا تزال سببًا رئيسيًا في أن يبقى الأردن واحة أمنٍ وأمان وسط منطقة تعصف بها الأزمات والصراعات. إن رجال الأمن الأردني هم عنوان الإخلاص والوفاء، يعملون بصمت وتفانٍ ليبقى الوطن مطمئنًا ومستقرًا.
أما الشعب الأردني العظيم، فهو أساس الحكاية وروح الوطن النابضة. شعبٌ عرف عبر التاريخ بصبره وكرمه ونخوته ووفائه، وقف دائمًا خلف قيادته الهاشمية صفًا واحدًا، مؤمنًا بأن الأردن بيت الجميع، وأن الحفاظ عليه واجب مقدس. لقد أثبت الأردنيون في مختلف الظروف أن الانتماء الحقيقي للوطن يظهر في المواقف الصعبة، وأن حب الأردن يسكن القلوب قبل الكلمات.
وفي يوم الاستقلال، تكتسي شوارع المملكة برايات الوطن، وتتعالى الأغاني الوطنية والأهازيج التي تعبّر عن الفخر بالهوية الأردنية والانتماء لهذه الأرض الطاهرة. إنه يوم يملؤه الفرح والاعتزاز، يوم يستذكر فيه الأردنيون تضحيات الآباء والأجداد الذين صنعوا هذا المجد، ليبقى الأردن عزيزًا حرًا أبيًا لا تنحني هامته إلا لله.
إن استقلال الأردن لم يكن نهاية الطريق، بل كان بداية لمسيرة طويلة من البناء والعطاء والإنجاز. فمنذ عام ١٩٤٦م وحتى اليوم، استطاع الأردن أن يحقق خطوات كبيرة في مجالات التعليم والصحة والتنمية والبنية التحتية والقوات المسلحة والأمن والاستثمار، رغم كل التحديات الاقتصادية والسياسية التي واجهها. وهذا ما يؤكد أن الأردن دولة صنعت نجاحها بالإرادة والعزيمة والإيمان بالمستقبل.
وفي هذه المناسبة الوطنية الخالدة، يحق لكل أردني أن يرفع رأسه فخرًا بوطنه وقيادته وجيشه وشعبه، وأن يقول بكل اعتزاز: نحن أبناء وطنٍ صنع المجد بالصبر والكفاح، وطنٍ لم يتخلَّ يومًا عن مبادئه وقيمه، وطنٍ سيبقى قويًا بوحدته وتماسكه والتفاف شعبه حول قيادته الهاشمية الحكيمة.
كل عام والمملكة الأردنية الهاشمية بألف خير، وكل عام وجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين بألف عز وفخر، وكل عام وسمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني بخير وسداد، وكل عام والجيش العربي المصطفوي والأجهزة الأمنية الباسلة بألف قوة ومنعة، وكل عام والشعب الأردني الوفي يزداد حبًا وانتماءً لهذا الوطن العظيم.
حفظ الله الأردن، قيادةً وشعبًا وجيشًا، وأدام عليه نعمة الأمن والأمان والاستقرار، ليبقى وطن الكرامة والعزة، ورايةً هاشميةً خفاقةً بالمجد عبر الزمان.