في الوقت الذي ينتظر فيه المواطن من مجلس النواب أن يكون صوتاً حقيقياً لهمومه ومعاناته، خرج أحد النواب السابقين عبر برنامج إعلامي ليفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات الشارع الأردني، بعدما تحدث بصراحة عن "المشاجرات المتفق عليها” تحت القبة، معترفاً بأن بعض ما كان يحدث من صراخ وخلافات لم يكن سوى مشاهد تمثيلية تنتهي بالمصالحة والضحكات خارج القاعة.
تصريحات كهذه لا يمكن المرور عليها مرور الكرام، لأنها ببساطة تمس صورة المؤسسة التشريعية وهيبتها وثقة الناس بها. فحين يسمع المواطن أن بعض "المعارك النيابية” كانت مجرد استعراض، يصبح من حقه أن يتساءل: كم من المواقف التي صُوّرت على أنها بطولات كانت في حقيقتها مجرد مشاهد معدة سلفاً؟ وكم من نائب رفع صوته تحت القبة بحثاً عن التصفيق والانتشار لا دفاعاً عن الوطن أو المواطن؟
المؤلم في الأمر أن بعض النواب باتوا يدركون تماماً طبيعة المشهد الإعلامي الحديث؛ صرخة عالية، مشادة كلامية، انسحاب غاضب، أو ضربة على الطاولة، ثم تُقتطع اللقطة وتنتشر عبر مواقع التواصل بعنوان: "النائب الشجاع الذي هزّ الحكومة”، لتحصد آلاف الإعجابات والتعليقات، بينما لا ينعكس كل ذلك على واقع الناس بشيء ملموس.
أصبح بعض ممثلي الشعب يتعاملون مع الجلسات وكأنها منصة لصناعة "الترند”، لا ساحة للتشريع والرقابة. فبدلاً من التنافس على تقديم حلول حقيقية لمشكلات البطالة والفقر والخدمات، نشاهد سباقاً في الأداء المسرحي، ومحاولات متكررة لصناعة صورة "النائب البطل” الذي يصرخ أكثر من غيره، أو يفتعل مواجهة توحي بأنه المدافع الأشرس عن حقوق المواطنين.
ورغم كل ما يثار، يبقى كل الاحترام والتقدير للمؤسسة التشريعية الأردنية كمؤسسة دستورية راسخة نص عليها الدستور الأردني، وتشكل إحدى أهم أعمدة التشريع والرقابة وتمثيل إرادة الشعب. كما أن الاحترام موصول لكل نائب حمل الأمانة بصدق، ومثّل أبناء وطنه بإخلاص ومسؤولية، وكان صوتاً حقيقياً للناس لا ممثلاً عليهم، فالنائب الحقيقي يُقاس بمواقفه وإنجازاته وخدمته للوطن، لا بحجم الضجيج أو عدد المشاهدات على مواقع التواصل.
لكن المواطن الأردني لم يعد تنطلي عليه هذه المشاهد بسهولة. فالمعيار الحقيقي اليوم ليس عدد المشاهدات على مواقع التواصل، ولا حجم التصفيق داخل القاعة، بل ما الذي تحقق فعلياً على أرض الواقع؟ هل تحسنت الخدمات؟ هل خُففت الأعباء؟ هل وجد الشباب فرص عمل؟ أم أن الضجيج بقي ضجيجاً، وانتهت "الهوشات” كما وصفها النائب السابق، بالتصالح والابتسامات خلف الكواليس؟
إن أخطر ما في هذه التصريحات أنها تعمّق فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات، وتدفع الناس للاعتقاد بأن بعض ما يجري أمام الكاميرات ليس سوى عروض سياسية موسمية، هدفها كسب الشعبية لا أكثر.
المواطن لا يريد نائباً ممثلاً بارعاً، بل يريد نائباً صادقاً، يحمل هموم الناس بصدق، ويترجم وعوده إلى أفعال، لا إلى مشاهد قابلة للتداول على صفحات التواصل الاجتماعي ثم تُنسى مع خبر جديد أو "ترند” جديد.