يصادف اليوم السبت ، الموافق السادس عشر من أيار لعام 2026 م ، الذكرى العاشرة بعد المائة لإبرام اتفاقية ( سايكس _ بيكو ) المشؤومة ، تلك التفاهمات السرية التي صاغت واحدة من أخطر المؤامرات الجيوسياسية في التاريخ الحديث ، والتي لا تزال شعوب المنطقة تجرع مرارة تبعاتها وتقسيماتها الاستعمارية حتى يومنا هذا .
أولاً : كواليس المؤامرة وظلام السرية
ولدت هذه الاتفاقية في الغرف المظلمة عبر مفاوضات سرية معقدة جرت بين تشرين الثاني من عام 1915 م وأيار من عام 1916 م ( المصدر : وثائق الدبلوماسية الدولية ، ملفات الحرب العالمية الأولى ) . وقد قاد هذه المفاوضات الدبلوماسي الفرنسي ( فرانسوا جورج بيكو ) والبريطاني ( مارك سايكس ) ، حيث تمثلت في تبادل وثائق تفاهم رسمية بين وزارتي خارجية فرنسا وبريطانيا لاقتسام تركة الدولة العثمانية في منطقة غرب آسيا عقب تهاويها في أتون الحرب العالمية الأولى .
وظلت هذه الاتفاقية طي الكتمان إلى أن فجر الشيوعيون ( الثورة البلشفية في روسيا ) مفاجأة مدوية بنشر نصوصها عقب وصولهم إلى سدة الحكم في روسيا عام 1917 م ( المصدر : التاريخ السياسي الحديث ، أرشيف الثورة الروسية ) . هذا الكشف التاريخي أثار موجة غضب عارمة بين الشعوب العربية ، وأوقع فرنسا وبريطانيا في حرج أخلاقي وسياسي بالغ ، تجلت ردة الفعل الرسمية والشعبية المباشرة ضده في مضامين ( مراسلات الحسين _ مكماهون ) .
ثانياً : مبضع الجراح ومخطط التقسيم
بموجب هذا الاتفاق المشؤوم ، جرى نهش جسد الهلال الخصيب وتقسيمه إلى مناطق نفوذ استعمارية واضحة :
1 ) الحصة الفرنسية : نالت فرنسا الجزء الأكبر من الجناح الغربي للهلال الخصيب ، والذي شمل ( سوريا ، ولبنان ، ومنطقة الموصل في العراق ) ( المصدر : خرائط وتقسيمات اتفاقية سايكس بيكو 1916 م ) .
2 ) الحصة البريطانية : امتدت مناطق السيطرة البريطانية من الطرف الجنوبي لبلاد الشام متوسعة نحو الشرق ، لتضم كلاً من ( بغداد ، والبصرة ) وجميع المناطق الواقعة بين الخليج العربي والمنطقة الفرنسية في سوريا .
3 ) الوضع الخاص لفلسطين : تقرر وضعهـا تحت إدارة دولية يتم الاتفاق عليها بالتشاور بين القطبين الاستعماريين ، مع منح بريطانيا حصراً مينائي ( حيفا وعكا ) ، على أن تتاح لفرنسا حرية استخدام ميناء حيفا ، وبالمقابل منحت فرنسا لبريطانيا حق استخدام ميناء ( الإسكندرونة ) الذي كان يقع ضمن حوزتها .
ثالثاً : محاولات الالتفاف وإعادة التدوير
عقب الفضيحة السياسية التي تسببت فيها تعرية الاتفاقية ونشر تفاصيل ( وعد بلفور ) الصادم ، حاولت بريطانيا امتصاص الغضب الشعبي وتخفيف حدة الإحراج ؛ فأصدرت ما يُعرف بـ ( كتاب تشرشل الأبيض ) عام 1922 م ، والذي صيغ بلهجة دبلوماسية مخففة لتبرير أغراض السيطرة البريطانية على فلسطين ( المصدر : الوثائق البريطانية ، الكتاب الأبيض الصادر سنة 1922 م ) . إلا أن كل تلك المناورات لم تغير من جوهر المخطط شيء ، حيث تم التأكيد الفعلي والميداني على محتوى اتفاقية ( سايكس _ بيكو ) وبنودها التقسيمية في ( مؤتمر سان ريمو ) الشهير عام 1920 م ( المصدر : قرارات مؤتمر سان ريمو الدولي ، 1920 م ) .
إن مرور مائة وعشرة أعوام على هذا المخطط الاستعماري ، يستدعي من الأمة قراءة واعية لدفاتر التاريخ ؛ فالحروب والتقسيمات التي نعيشها اليوم ليست إلا امتداداً لذاك القلم الخبيث الذي رسم حدوداً وهمية فرقت بين الأخ وأخيه ، ليبقى الوعي القومي والوحدة هما السلاح الأوحد في وجه خطوط ( سايكس _ بيكو ) المتجددة .