روسيا تغيّر تقاليد "يوم النصر" حيث تغيب الآليات العسكرية عن العرض الأكبر الذي يُقام سنويًا في الساحة الحمراء بالعاصمة موسكو.
ففي خطوة غير مسبوقة منذ ما يقرب من عقدين، أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن العرض العسكري التقليدي الذي يُقام سنويًا في الساحة الحمرا بموسكو بمناسبة "يوم النصر" على ألمانيا النازية، سيُقام هذا العام من دون دبابات أو صواريخ أو أي معدات عسكرية ثقيلة.
وبحسب وكالة أسوشيتد برس، يُعد هذا القرار سابقة هي الأولى منذ عام 2007، إذ اعتادت روسيا خلال السنوات الماضية على استعراض ترسانتها العسكرية في التاسع من مايو/أيار من كل عام.
والتاريخ يمثل أحد أهم المناسبات الوطنية في البلاد، حيث تحيي فيه ذكرى انتصار الاتحاد السوفياتي على ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية.
ووفقا للوكالة، لطالما شكّل هذا الحدث منصة رمزية للكرملين لإبراز قوته العسكرية وترسيخ صورته كقوة دولية ذات ثقل استراتيجي.
وأوضحت وزارة الدفاع الروسية، في بيان رسمي، أن العرض الذي يُقام هذا العام بمناسبة الذكرى الحادية والثمانين للنصر سيقتصر على مشاركة وحدات من مختلف المؤسسات التعليمية العسكرية وبعض تشكيلات القوات المسلحة، إلى جانب الاستعراض الجوي التقليدي.
لهذا السبب
وأشار بيان الوزارة إلى أن استبعاد المعدات العسكرية الثقيلة والطلاب العسكريين جاء بسبب "الوضع العملياتي الراهن"، في إشارة واضحة إلى التطورات الميدانية المرتبطة بالحرب الروسية الأوكرانية.
ويمثل "يوم النصر" أكثر من مجرد مناسبة احتفالية في الوعي الروسي؛ فهو أحد أهم الرموز المؤسسة للهوية الوطنية الحديثة.
فالحرب العالمية الثانية، أو ما يُعرف في روسيا بـ"الحرب الوطنية العظمى"، لا تزال تمثل نقطة إجماع نادرة في التاريخ الروسي المعاصر، بعدما دفع الاتحاد السوفياتي ثمنًا بشريًا هائلًا قُدّر بنحو 27 مليون قتيل بين عامي 1941 و1945، ما جعل تلك الذكرى محفورة بعمق في الوجدان الجمعي الروسي.
ومنذ وصوله إلى السلطة قبل أكثر من ربع قرن، عمل الرئيس فلاديمير بوتين على تحويل هذه المناسبة إلى إحدى الركائز الرمزية الأساسية لخطابه السياسي، مستخدمًا إرث الانتصار السوفياتي لتعزيز مشاعر الفخر الوطني، وتقديم روسيا بوصفها وريثةً لقوة تاريخية كبرى.
وكان عرض العام الماضي، الذي أُقيم بمناسبة الذكرى الثمانين للنصر، قد شهد أكبر حشد عسكري وسياسي منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا.
وشارك بالعرض أكثر من 11 ألفًا و500 جندي، وأكثر من 180 قطعة ومركبة عسكرية، من بينها دبابات ومركبات مشاة مدرعة ومدفعية استخدمت في المعارك الأوكرانية.
فضلًا عن صواريخ "يارس" الباليستية العابرة للقارات القادرة على حمل رؤوس نووية، وطائرات مسيّرة محمولة على منصات عسكرية، إلى جانب تحليق الطائرات المقاتلة فوق الساحة الحمراء.
كما استقطب العرض عددًا كبيرًا من القادة الأجانب، بينهم الرئيسان الصيني شي جين بينغ، والبرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، ورئيس الوزراء السلوفاكي روبرت فيكو.
زخم دبلوماسي
وأكد مساعد الرئيس الروسي يوري أوشاكوف أن فيكو سيعود للمشاركة هذا العام، إلى جانب عدد من الشخصيات الدولية البارزة، في إشارة إلى حرص موسكو على الحفاظ على الزخم الدبلوماسي المصاحب للحدث رغم الظروف الأمنية.
ويعيد تقليص عرض هذا العام إلى الأذهان نسخة عام 2023، التي شهدت خفضًا ملحوظًا في عدد القوات والمعدات، فضلًا عن إلغاء الاستعراض الجوي بالكامل، بينما اضطرت السلطات في عام 2020، بسبب جائحة كورونا، إلى تأجيل الاحتفال من التاسع من مايو/ أيار إلى الرابع والعشرين من يونيو/ حزيران.
وتحمل عروض "يوم النصر" تاريخًا طويلًا يعود إلى 24 يونيو/حزيران 1945، حين شهدت الساحة الحمراء أول عرض عسكري احتفالًا بهزيمة ألمانيا النازية.
وبعد عدة عروض متقطعة خلال الحقبة السوفياتية، أقيم آخر عرض عسكري قبل انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1990، قبل أن تستأنف روسيا هذه التقاليد عام 1995، لتتحول لاحقًا إلى مناسبة سنوية ثابتة تجسد التداخل الوثيق بين الذاكرة التاريخية والعرض السياسي والعسكري.