في الوقت الذي تتجه فيه الجهود الوطنية نحو تعزيز السياحة الداخلية وفتح آفاق جديدة للتنمية الاقتصادية، تقف مناطق الوالة والهيدان في محافظة مادبا شاهدة على فرصة حقيقية لم تُستثمر بعد كما ينبغي، رغم ما تتمتع به من جمال طبيعي أخّاذ ومقومات سياحية قادرة على إحداث فارق واضح في المشهد السياحي الأردني. ففي فصل الربيع، ترتدي هذه المناطق حلتها الأجمل، حيث تمتد المساحات الخضراء، وتنبض الأودية بالحياة، وتتدفق المياه في مشهد يأسر القلوب ويستقطب الزوار من مختلف أنحاء المملكة، إلا أن هذا الإقبال يبقى عفويًا وغير منظم، يفتقر إلى الحد الأدنى من الخدمات التي تليق بمكان بهذه القيمة.
إن الحديث عن الوالة والهيدان لا يقتصر على وصف الجمال، بل يتعداه إلى ضرورة التفكير الجاد في تحويل هذا الجمال إلى مورد اقتصادي مستدام يخدم أبناء المنطقة ويعزز من حضور مادبا على الخارطة السياحية. فغياب البنية التحتية المناسبة، وقلة المرافق العامة، وعدم وجود استثمار سياحي منظم، كلها عوامل تحد من الاستفادة الحقيقية من هذا المورد الطبيعي، وتترك الزائر أمام تجربة ناقصة، رغم ما يحمله المكان من إمكانيات كبيرة.
لقد أثبتت تجارب مناطق أخرى في المملكة، خاصة في الشمال، أن الاستثمار السياحي الناجح يبدأ من فهم خصوصية المكان، والانطلاق نحو مشاريع تحافظ على طابعه البيئي، وتوفر في الوقت ذاته خدمات أساسية تضمن راحة الزائر وسلامته. وما ينقص الوالة والهيدان اليوم ليس الإمكانيات، بل القرار والإرادة والتخطيط السليم، من خلال دور فاعل لوزارة السياحة ووزارة الإدارة المحلية في تبني رؤية واضحة تقوم على تنظيم المواقع، وتطوير الخدمات، وتشجيع الاستثمار المحلي، وإشراك أبناء المنطقة في عملية التنمية ليكونوا شركاء حقيقيين في النجاح.
إن الاستثمار في هذه المناطق هو استثمار في الإنسان والمكان معًا، وهو خطوة نحو خلق فرص عمل، وتنشيط الحركة الاقتصادية، وتعزيز الانتماء للمكان من خلال الحفاظ عليه وتطويره. كما أن تنظيم هذه المواقع يسهم في تعزيز السلامة العامة، خصوصًا في المناطق القريبة من السدود والمنحدرات، ويحد من الممارسات العشوائية التي قد تسيء إلى البيئة أو تشكل خطرًا على الزوار.
اليوم، تقف الوالة والهيدان على أعتاب فرصة لا تحتمل التأجيل، فرصة لصناعة نموذج سياحي متكامل يوازن بين الجمال الطبيعي والتنمية المستدامة، ويضع مادبا في موقع متقدم على خارطة السياحة الداخلية. إنها دعوة صادقة إلى أصحاب القرار في وزارة السياحة ووزارة الإدارة المحلية للنظر بعين الاهتمام والمسؤولية إلى هذه المناطق، والعمل على تحويلها من وجهة موسمية عفوية إلى مقصد سياحي منظم ومزدهر، يليق بالأردن وجماله وتاريخه.