على صفحتها، كتبت تلك العصفورة: "حين يغيب المعيار… يحضر الانحدار".
كتبتها كأنها تملك ميزان العالم، ثم مضت تُبعثر الكلمات كما يُبعثر الغبار فوق مرآةٍ مكسورة.
هي ليست عصفورة… بل انكشافٌ حيّ لفكرةٍ مكسورة.
تقول "المعيار" بلسانٍ مرتجف، وتعيش نقيضه بسلوكٍ لا يعرف سوى الانحدار. كأنها تشير إلى الهاوية بإصبعٍ، بينما تسقط فيها بكلتا يديها.
تلك التي تتشدّق كل صباح بغياب المعيار، لا تفعل أكثر من إعلان إفلاسها منه.
ترفرف كثيرًا، نعم… لكن الرفرفة ليست تحليقًا، والثرثرة ليست صوتًا، والادّعاء ليس قيمة.
هي كمن يقف على حافة جرفٍ هارٍ، ويصرخ في الآخرين: انتبهوا للسقوط… بينما قدماه غارقتان فيه حتى الركبتين.
عريها ليس في ما تقول… بل في كيف تقوله.
لغةٌ متعثّرة، تتزيّن بما لا تملك، وتنتفخ بما لا تفهم. حندئةٌ لغوية فاقعة، كطلاءٍ سميكٍ على جدارٍ آيلٍ للسقوط.
كلما كتبت، كُشِفت أكثر. كلما ادّعت، انفضحت أسرع. وكأنها لا تدرك أن الكلمة، حين تخرج بلا معيار، تشبه نهيقَ حمار.
هي لا تنتقد… بل تتغذّى على الإساءة.
تقترب من المؤسسات الوطنية لا لتفهمها، بل لتنهشها، لا لتقوّمها، بل لتتسلقها.
تبحث عن ظلّها في جدرانٍ أكبر منها، فتخدشها، ثم تتباهى بأنها تركت أثرًا. أيّ أثر؟ خدشٌ لا يجرح إلا صاحبه.
تلوّح بالمعيار كدون كيشوت، ترفع سيفًا في وجه طواحين الهواء، وتظنّ أنها تُحسن، بينما لا تفعل سوى مطاردة أوهامها بسيفٍ خشبيّ. تضرب به الهواء، وتتوهم الإصابة، لكنها لا تمسّ إلا المعنى فتقتله، ولا تنال إلا اللغة فتشوّهها.
المعيار ليس كلمة تُقال، بل ثِقلٌ يُحتمل… وهي أخفّ من أن تحمله.
كل شيء فيها يقول الحقيقة التي تهرب منها:
أنها لا تملك معيارًا، بل تملك مزاجًا.
لا تملك موقفًا، بل تملك انفعالًا.
لا تملك فكرة، بل تملك صدىً أجوف يتردّد في صفحةٍ ضيقة.
عُرْيُها الكامل؟
أنها تكتب لتغطي نفسها… فتكشفها.
إنها تسيء إلى من منحها مساحة الوقوف، وتساوم على ما لا تملك، وتُلبس ارتباكها ثوبَ المظلومية، مدّعيةً أنها مُلاحَقة طلبًا للجوء. فأيُّ لجوءٍ هذا الذي تهربين إليه، وأنتِ لا تفعلين سوى الفرار من ذاتكِ إلى واقعٍ أكثر انحدارًا؟
إن ما تبحثين عنه ليس ملاذًا، بل هروبٌ من حقيقةٍ بلغتِ فيها هذا الحدّ من الانحطاط.
اتركوها.
فالانحدار، حين يجد من يروّج له، لا يحتاج إلى من يفضحه.