العلم نبض السيادة ورمز الهوية.. قصة ولاء تخطّها الأجيال ففي قلب كل عاصمة، وفوق قمم الجبال، وعلى ساريّات المدارس، يرفرف قطعة من القماش تختزل في ألوانها تاريخاً، وفي خيوطها كرامة شعب. ليس "العلم" مجرد رمز بصري، بل هو الروح المعنوية للأمم، والوثيقة غير المكتوبة التي تعلن صمود الدولة واستقلالها. والمتتبع للجذور التاريخية لظهور الاعلام والرايات يجد انها ضرورة وجودية فلم يكن اتخاذ الرايات ترفاً في تاريخ البشرية، بل حاجة ملحة فرضتها ظروف الصراع والبناء؛ فمنهجياً، تشير الدراسات التاريخية إلى أن المصريين القدماء كانوا من أوائل من استخدموا "اللافتات" (Vexilloids) في المواكب والحروب لتمييز الأقاليم. وفي الحضارة الرومانية جعلت من "النسر" رمزاً لوحدة الفيالق، وكان سقوطه يعني انكسار هيبة الإمبراطورية. اما الحضارة الإسلامية فقد أعطت للراية قدسية خاصة؛ فكان حامل اللواء يختار من أشجع الفرسان، وسقوط الراية في المعركة كان نذيراً بتشتت الجيش، مما جعلها رمزاً للثبات والوحدة ولنا من معركة مؤته التي دارت رحها على ارض الأردن المقدسة درسا في ذلك.
يحلل علماء الاجتماع "العلم" بوصفه "المثير البصري الموحد"؛ فهو الأداة التي تذيب الفوارق الفردية لتصهر الجميع في بوتقة "الوطن". وهذا ما يجعل أبناء الأردن العزيز الذين جبلوا تراب هذا الوطن بالعرق والدم، يدركون ان علمنا ليس مجرد ألوان؛ بل هو حكاية الثورة العربية الكبرى، ودماء الشهداء التي صبغت اللون الأحمر، ونقاء السريرة في الأبيض، وتاريخ الخلافة في الأسود والأخضر، وتتوسطه النجمة السباعية التي تمثل فاتحة الكتاب والمثاني السبع.
إن حرص النشامى المعهود على إبقاء راية الأردن خفاقة هو انعكاس لوعيكم بأن العلم هو المظلة التي نستظل بها جميعاً. فالالتفاف حول العلم يعني الالتفاف حول مؤسسات الدولة، وحول القيادة الهاشمية، وحول الهوية الوطنية التي لا تقبل القسمة. فليكن علمنا دائماً في السويداء من القلوب، ومرفوعاً فوق هامات السحب.
إن المسؤولية الكبرى تقع على عاتق المؤسسات التعليمية، من رياض الأطفال وصولاً إلى المدرجات الجامعية. في غرس قيمة العلم في نفوس الأجيال جيلا بعد جيل فالعلم لا يُدرس كمعلومة، بل يُزرع كقيمة، ففي رياض الأطفال والصفوف الأولى: يجب أن يرتبط العلم بمشاعر الفرح والفخر. علموا الأطفال أن تحية العلم هي "وعد" يومي بالوفاء للوطن، وأن الحفاظ على نظافته ورفعه عالياً هو جزء من بر الوالدين والوطن. وفي المدارس الأساسية والثانوية: يجب تعميق الفهم بالدلالات التاريخية لكل لون في العلم، وربط "التربية الوطنية" بالممارسة الفعلية، حيث يكون العلم حاضراً في كل إنجاز رياضي أو علمي. اما في الجامعات فيقع على عاتق الأكاديميين تعزيز الوعي السياسي والسيادي، وتوضيح أن العلم هو الرمز الذي يمثل الدولة في المحافل الدولية، وهو خط أحمر لا يجوز التهاون في هيبته.
إن الأمم التي تعتز بأعلامها هي أمم تمتلك بوصلة واضحة نحو المستقبل. واليوم، ونحن نمر بمنعطفات تاريخية، يبقى العلم الأردني هو الكلمة التي تجمعنا، والراية التي توحد صفوفنا. فلنبقَ ملتفين حوله، ولنعلمه لأبنائنا ليس كقطعة قماش، بل كـ "عرض" و"أرض" و"تاريخ" لا يُمَس.