تشهد العمليات البحرية تطوراً لافتاً مع دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى واحدة من أخطر المهام العسكرية وأكثرها تعقيداً، وهي مكافحة الألغام تحت الماء.
وفي هذا السياق، برز نظام فرنسي جديد يَعِد بإحداث نقلة نوعية في أساليب الكشف والتحليل والتعامل مع التهديدات البحرية، عبر حلول ذكية قادرة على العمل بشكل شبه ذاتي وبدقة عالية، ما يعزز سرعة الاستجابة ويقلل المخاطر على القوات البحرية في البيئات غير المستقرة.
وكشفت شركة فرنسية عن نظام متطور يعتمد على الذكاء الاصطناعي لتنفيذ عمليات مكافحة الألغام تحت الماء بشكل شبه أو كلي ذاتي التشغيل، في خطوة قد تغيّر أساليب الحروب البحرية الحديثة.
النظام الجديد، الذي يحمل اسم "إكسبيديشنري باث ماستر" (Expeditionary PathMaster)، صُمم ليكون منصة مرنة وقابلة للتشغيل في مختلف البيئات البحرية، حيث يمكن تشغيله من الشاطئ، أو من قوارب مطاطية، أو سفن متخصصة، أو أي منصة بحرية أخرى، ما يمنح القوات قدرة عالية على الانتشار السريع في مناطق العمليات.
ووفق شركة "تاليس" المطوّرة للنظام، فإن هذا الحل لا يقتصر على الكشف عن الألغام فحسب، بل يتيح أيضاً إدارة متكاملة للعمليات البحرية، وتأمين البنية التحتية الحيوية، ودعم المهام الاستكشافية والبرمائية بكفاءة أعلى.
وقال سيباستيان غيريمي، نائب رئيس قسم الأنظمة تحت الماء في شركة تاليس: إن تزايد التهديدات البحرية الحديثة جعل من مكافحة الألغام عنصراً أساسياً لحماية السيادة البحرية وضمان أمن الممرات البحرية والبنى التحتية الحساسة.
تقنيات ذكاء اصطناعي
ويعتمد النظام على تقنيات ذكاء اصطناعي متقدمة لتحليل بيانات السونار، عبر تطبيق Mi-Map الذي يتولى معالجة الإشارات الصوتية القادمة من أعماق البحر وتحويلها إلى صور وخرائط دقيقة للأجسام المغمورة تحت الماء.
ويساعد هذا التطبيق في التعرف السريع على الألغام والأجسام المشبوهة، مع قدرة على فرز البيانات وتحديد الأهداف المحتملة بسرعة تفوق الأنظمة التقليدية بأربع مرات، ودقة تصل إلى نحو 99%، ما يقلل من نسبة الخطأ البشري ويزيد من سرعة اتخاذ القرار في الميدان.
أما نظام إدارة المهام M-Cube فيعمل كالعقل التنسيقي للعمليات، حيث يجمع البيانات القادمة من مختلف المصادر مثل المركبات البحرية ذاتية القيادة وأجهزة السونار والطائرات المسيرة، ثم يعالجها ويعرضها بشكل لحظي داخل مركز العمليات.
هذا النظام لا يكتفي بعرض المعلومات، بل يقوم أيضاً بترتيب الأولويات، وتتبع تقدم المهام، وتحديث القادة بصورة فورية حول أي اكتشافات أو تغييرات في مسار العملية، مما يتيح استجابة أسرع وأكثر دقة أثناء تنفيذ مهام مكافحة الألغام.
وتؤكد الشركة أن النظام يمثل نقلة نوعية في مجال الحرب ضد الألغام، إذ يدمج بين الوسائل المأهولة وغير المأهولة، بما في ذلك الطائرات والمركبات البحرية ذاتية القيادة، إضافة إلى أنظمة تشغيل تقليدية، ضمن مركز عمليات متنقل واحد.
كما يتميز النظام بدوره في دعم العمليات الاستكشافية السريعة، حيث تُنشر القوات في بيئات غير مألوفة مع قدرة عالية على الحركة وتقليل الاعتماد على البنية التحتية الثابتة. ولا يقتصر استخدامه على الجانب العسكري فقط، بل يمتد أيضاً إلى مهام إنسانية، خصوصاً في حالات الكوارث الطبيعية والوصول إلى المناطق النائية، وفقاً لـ "interestingengineering".
وترى "تاليس" أن هذا النظام يمثّل مزيجاً متقدماً من الهندسة البحرية والذكاء الاصطناعي والتخطيط العملياتي، ما يجعله أداة محورية في مستقبل العمليات البحرية، سواء في ساحات القتال أو في مهام الإغاثة والدعم اللوجستي.
ويعكس النظام تحولاً واضحاً في مستقبل العمليات البحرية، حيث تتجه الجيوش نحو دمج الذكاء الاصطناعي في إدارة المهام المعقدة، بما يعزز السرعة والدقة ويقلل الاعتماد على الأنظمة التقليدية في البيئات الصعبة.
الألغام البحرية
وتُعدّ الألغام البحرية من أخطر التهديدات في المياه، إذ يتم زرعها بطرق متعددة مثل إلقائها من السفن، أو إطلاقها من الغواصات، أو حتى تثبيتها في قاع البحر لفترات طويلة دون أن تُكتشف.
وتعتمد هذه الألغام على أنواع مختلفة من الحسّاسات، منها ما يتفاعل مع الضغط المائي الناتج عن مرور السفن، أو التغيرات المغناطيسية، أو حتى الضوضاء الصادرة عن المحركات. ومع مرور الوقت قد تبقى هذه الألغام خاملة في قاع البحر لسنوات، ما يجعل اكتشافها صعباً وخطيراً في الوقت نفسه.
أما الطرق التقليدية لإزالتها، فتعتمد على الكاسحات البحرية التي تقوم بتمشيط المناطق المشتبه بها، أو استخدام الغواصين المتخصصين في تفكيك الألغام يدوياً، وهي عمليات تتطلب وقتاً طويلاً ودقة عالية، وغالباً ما تنطوي على مخاطر كبيرة على الأفراد والسفن المشاركة في المهمة.