يواجه النظام الإيراني في عام 2026 لحظة تاريخية فارقة تشبه إلى حد بعيد تلك التي واجهتها دول المحور في الأيام الأخيرة من الحرب العالمية الثانية. ومع اشتداد المواجهة العسكرية المباشرة مع الولايات المتحدة واتساع رقعة الاستهداف لعمقها النفطي والنووي، يبرز السؤال الذي تضعه مراكز الأبحاث العالمية على طاولة التشريح: هل تسير طهران نحو "النموذج الألماني" (القتال حتى الانهيار الكامل)، أم تختار "النموذج الياباني" (الاستسلام المشروط للحفاظ على كيان الدولة)؟
تشير تقارير "معهد بروكينغز" إلى أن بعض الجناحات المتشددة داخل صنع القرار الإيراني لا تزال تتبنى عقيدة "النصر عبر الفوضى". هذا السيناريو يشبه الأيام الأخيرة لبرلين عام 1945، حيث استمر القتال رغم انعدام فرص النصر العسكري:
• استراتيجية "الأرض المحروقة": التهديد بإغلاق مضيق هرمز وتدمير منشآت الطاقة الإقليمية كأداة ضغط أخيرة.
• الاستنزاف البشري: الاعتماد على "حروب الوكالة" والميليشيات العابرة للحدود لتعويض النقص في القدرات التكنولوجية الجوية أمام التفوق الأمريكي.
• الخطر المحدق: يرى المحللون في "The Economist" أن هذا المسار قد يؤدي إلى تفكك داخلي واضطرابات مدنية واسعة، مما يجعل "الانهيار من الداخل" هو النتيجة الحتمية للانتحار العسكري.
2. "الاستسلام الياباني": براغماتية البقاء ومقايضة النووي
على الوجه الآخر، ترصد صحيفة "New York Times" بوادر تيار "واقعي" داخل طهران يرى في "إعلان بوتسدام" (الذي أنهى حرب اليابان) نموذجاً قابلاً للتطبيق بصيغة فارسية:
• تجريد السلاح مقابل البقاء: القبول بتفكيك حقيقي للبرنامج النووي والصاروخي مقابل ضمانات دولية بعدم إسقاط النظام، على غرار بقاء الإمبراطور هيروهيتو كرمز وطني دون سلطة عسكرية.
• التحول الاقتصادي: الانخراط في "خطة مارشال" إقليمية تقودها القوى الكبرى لإعادة إعمار ما دمرته الضربات الجوية، مقابل إنهاء التمدد الإقليمي.
رأي مركز CSIS: "إيران 2026 تدرك أن التفوق التكنولوجي الأمريكي (الذكاء الاصطناعي في المسيرات والحروب السيبرانية) قد جعل من الصمود العسكري التقليدي أمراً مستحيلاً، تماماً كما فعلت القنبلة الذرية باليابان".
3. الواقع على الأرض: "المنطقة الرمادية"
تؤكد التقارير الميدانية من "معهد دراسة الحرب" (ISW) أن إيران تمارس حالياً ما يُعرف بـ "الانحناء الاستراتيجي":
• تكتيكياً: تقليص الوجود في سوريا ولبنان لتجنب الضربات المباشرة.
• سياسياً: فتح قنوات خلفية مع واشنطن عبر وسطاء إقليميين لاختبار حدود "الاستسلام المشرف".
• داخلياً: مواجهة تضخم جامح واحتجاجات معيشية تضغط على صاحب القرار لاختيار "الخبز" بدلاً من "القنبلة".
4. المستقبل: هل ينجح "الخيار الثالث"؟
تتوقع مراكز الأبحاث السيادية أن إيران لن تختار الانتحار الكامل ولا الاستسلام المذل، بل ستسعى لـ "اتفاق ضرورة" يضمن لها دوراً إقليمياً محدوداً تحت رقابة دولية صارمة. إنها محاولة لإنتاج "نسخة 2.0" من الدولة الإيرانية، تكون أقل ثورية وأكثر اندماجاً في الاقتصاد العالمي، لتجنب مصير برلين المحطمة.
الخلاصة:
إن التاريخ لا يعيد نفسه حرفياً، لكنه يقدم الدروس؛ فبينما يرى البعض في طهران أن "الشهادة" هي النصر، يدرك العقلاء أن الحفاظ على الأمة يتطلب أحياناً "تجرع السم" (كما قال الخميني سابقاً)، وهو ما يرجح كفة "النموذج الياباني" المطور في نهاية المطاف لضمان استمرارية الدولة في ظل اختلال موازين القوى العالمي.