في لحظةٍ تاريخية تتكسر فيها الخرائط السياسية تحت وقع الحروب، وتتبدل فيها التحالفات بين ليلةٍ وضحاها، وتُعاد صياغة موازين القوى على حساب دماء الشعوب، يقف الأردن ثابتاً كصخرةٍ في وجه العواصف. ليس صدفةً ولا حظاً عابراً، بل نتيجة عقيدة راسخة قوامها الولاء المطلق للأرض والقيادة، ووحدة الجبهة الداخلية التي لم تسمح يوماً بأن تتحول إلى ساحةٍ للفوضى أو التبعية.
الولاء للأردن ليس خياراً انتقائياً يُمارس عند الرخاء ويُتخلّى عنه عند الشدّة، بل هو التزام لا يقبل القسمة على اثنين. هو موقف حاسم لا يحتمل التردد، ولا يسمح بازدواجية الهوية أو تضارب الانتماء. فالوطن في هذه المرحلة الحرجة لا يحتمل أنصاف المواقف، ولا أولئك الذين يقفون في المنطقة الرمادية، يلوّنون مواقفهم وفق مصالحهم أو أهوائهم.
إنّ الولاء للأرض الأردنية يعني الإيمان العميق بأن هذه البلاد، رغم محدودية مواردها، قدّمت نموذجاً فريداً في الصمود والاستقرار. ويعني أيضاً الدفاع عن كل شبرٍ فيها، ليس فقط بالسلاح، بل بالكلمة والموقف، وبحماية نسيجها الاجتماعي من أي اختراق أو فتنة. فالأردن لم يكن يوماً وطناً عابراً، بل كان دائماً هويةً متجذرة، ومشروع دولةٍ يقوم على الحكمة والاعتدال.
أما الولاء للقيادة الهاشمية، فهو امتداد طبيعي لهذا الانتماء. قيادة حملت إرثاً تاريخياً ثقيلاً، وواجهت تحدياتٍ غير مسبوقة، لكنها بقيت ثابتة على مبادئها، تدافع عن قضايا الأمة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، دون أن تفرّط بأمن الأردن أو تستنزف مقدراته. هذه القيادة لم تكن يوماً جزءاً من محورٍ ضيق، بل كانت دائماً في قلب التوازنات، تحمي الوطن من الانزلاق إلى الفوضى، وتجنّبه كلفة المغامرات غير المحسوبة.
وفي ظل الحروب التي تمزق الإقليم، من دولٍ انهارت إلى أخرى تتآكل سيادتها، يظهر الفارق جلياً بين من يملك دولةً حقيقية، ومن يعيش على هامش الفوضى. الأردن اختار أن يكون دولة مؤسسات، لا ساحة صراعات، وأن يكون قراره وطنياً خالصاً، لا تابعاً لإملاءات الخارج. وهذا الخيار لم يكن سهلاً، بل تطلّب وعياً شعبياً عميقاً بأن بقاء الدولة أهم من أي شعارات عابرة أو اصطفافات مؤقتة.
إنّ أخطر ما يواجه الدول في مثل هذه الظروف ليس العدو الخارجي فقط، بل الانقسام الداخلي، وتعدد الولاءات، وتسرب الأجندات التي تحاول أن تجد لها موطئ قدم داخل النسيج الوطني. وهنا، لا بد من قول الحقيقة دون مواربة: من يعيش في الأردن، ويتمتع بأمنه واستقراره، ويستفيد من خيراته، لا يملك حق توزيع ولائه أو تجزئته. الولاء للأردن يجب أن يكون خالصاً، واضحاً، لا لبس فيه ولا تأويل.
الوطن ليس مساحةً مفتوحةً لكل من أراد أن يفرض عليه أجندته، وليس منبراً لمن يسعى لتغليب مصالح خارجية على حساب استقراره. ومن لا يرى في الأردن إلا محطة مؤقتة، أو يسعى لربط مصيره بمشاريع لا تخدمه، فعليه أن يعيد النظر في ذاته، في انتمائه، وفي موقعه من هذه المعادلة. فالأوطان لا تُبنى بالازدواجية، ولا تُحمى بالولاءات المتعددة.
لقد أثبتت التجارب من حولنا أن الدول التي تساهلت في مسألة الولاء، وسمحت بتعدد المرجعيات والانتماءات، دفعت ثمناً باهظاً من أمنها واستقرارها. أما الأردن، فقد حافظ على تماسكه لأنه أدرك مبكراً أن وحدة الولاء هي صمام الأمان، وأن أي خلل في هذه المعادلة قد يفتح الباب أمام الفوضى التي لا تبقي ولا تذر.
المرحلة اليوم تتطلب وضوحاً لا يقبل التأجيل، وحسماً لا يعرف التردد. فإما أن يكون المواطن أردنياً في ولائه وانتمائه وموقفه، أو أن يعترف بأنه خارج هذه الدائرة. لا مجال للمساومة، ولا مساحة للمناورة، فالوطن أكبر من الحسابات الضيقة، وأغلى من كل الاصطفافات.
سيبقى الأردن هو البوصلة، والهوية، والمصير. من أراد أن يكون جزءاً من هذا الوطن، فعليه أن يكون له بالكامل: ولاءً لا يتجزأ، وانتماءً لا يتغير، وموقفاً لا يهتز. أما غير ذلك، فهو طريق لا يؤدي إلا إلى الضياع، في زمنٍ لا يرحم إلا الثابتين على أوطانهم. <This message was edited>