تتصاعد التحديات الأمنية في مضيق باب المندب مع استمرار الحوثيين في تنفيذ ما تصفه مراكز أبحاث دولية بـ "التعطيل المتصاعد"، وهو مستوى عسكري يمنح الجماعة قدرة على "الحرمان الانتقائي" لحركة الملاحة، دون الوصول إلى مرحلة السيطرة الكاملة والمستدامة على الممر المائي الذي لا يتجاوز عرضه 29 كيلومتراً.
ترسانة هجينة وإرباك دفاعي
طوّر الحوثيون منذ عام 2015 ترسانة عسكرية "هجينة" اعتمدت على نماذج إيرانية أُعيد تكييفها محلياً، لتشمل صواريخ باليستية ومجنحة ومسيرات انتحارية وزوارق متفجرة غير مأهولة. ويرى خبراء في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية أن القوة الحوثية تكمن في القدرة على التهديد من الساحل ومضاعفة الكلفة الدفاعية على القوات البحرية، خاصة مع استخدام المسيرات الرخيصة لتحديد الأهداف، والزوارق المتفجرة التي تفرض استجابة باهظة الثمن، وصولاً إلى خطر الألغام البحرية الذي يظل سلاحاً مرجحاً في حال التصعيد نظراً لأثره النفسي والتشغيلي العميق.
زلزال في أسواق التأمين والطاقة
انعكست هذه التوترات سريعاً على اقتصاديات الشحن العالمي؛ فبعد أيام من اندلاع الحرب على إيران واتساع الهجمات، قفزت تغطيات التأمين في المنطقة بنسبة تجاوزت 1000%. وتُظهر بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) هذا التأثر بوضوح، حيث تراجعت تدفقات النفط عبر المضيق من 8.7 مليون برميل يومياً في 2023 إلى نحو 4 ملايين برميل فقط في عام 2024، نتيجة تحويل المسارات وتصاعد المخاطر.
إعادة رسم خريطة التجارة العالمية
بدأت شركات الملاحة العملاقة مثل "ميرسك" و"CMA CGM" في إعادة رسم مساراتها نحو طريق "رأس الرجاء الصالح" بدلاً من باب المندب، مفضلةً مساراً أطول يضيف بين 10 إلى 14 يوماً للرحلة على المغامرة في مياه البحر الأحمر. هذا التحول لم تظهر آثاره في المنطقة فحسب، بل وصلت أصداؤه إلى ميناء طنجة المغربي، الذي أعلن مديره العام عن توقعات بزيادة السفن الراسية فيه كبديل استراتيجي، في ظل فرض شركات الشحن رسوماً إضافية بلغت أحياناً 4,000 دولار للحاوية الواحدة.
مخاطر الرد الإقليمي والدولي
في تصريحات لـ"الحرة" حذّر سلفاتوري ميركوغليانو، الأستاذ بالأكاديمية الأمريكية للبحرية التجارية، من أن أي هجوم حوثي قد يستهدف فعلياً المصالح السعودية، باعتبارها مصدراً رئيسياً عبر ميناء "ينبع". وفي هذا السياق، تشير التقديرات إلى أن إقدام الحوثيين على خطوات تصعيدية في هذا الاتجاه لن يكتفي بجلب ضربات أمريكية وإسرائيلية فحسب، بل قد يدفع القوى الإقليمية للرد، خاصة وأن المضيق يمثل شريان الحياة لـ 12% من التجارة العالمية، وأي تعطيل فيه يضرب سلاسل التوريد والأسواق الدولية في مقتل.