في كل أزمة إقليمية يخشى الأردن من تسييل القضية الفلسطينية أي تحويلها إلى قضية ثانوية خلف صراع القوى الكبرى، الأردن يدرك أن انشغال العالم بالصراع المباشر بين واشنطن وطهران هو "الفرصة الذهبية" لليمين الإسرائيلي المتطرف لتنفيذ مخططات مؤجلة. لذا، يتحرك جلالة الملك عبد الله الثاني وفق استراتيجية
تفكيك "فرصة الفراغ" في كل اتصال دولي، يركز جلالته على أن أي تغيير في "الوضع القائم" في القدس أو الضفة الغربية ليس شأناً فلسطينياً فحسب، بل هو "خط أحمر" أردني. الأردن يمنع تحويل الأنظار عما يجري في الضفة والقدس عبر تدويل هذه الانتهاكات وربطها باستقرار الإقليم ككل.
وفي نفس الوقت يتعرض الأردن إلى عدوان إيراني بالصواريخ والمسيرات استهدفت ارضي المملكة القيادة الأردنية تؤكد للمجتمع الدولي أن استهداف الأردن من قبل إيران ليس مجرد حادث عرضي، بل هو محاولة لزعزعة استقرار "الركن الهادئ" في المنطقة للضغط على الإدارة الأمريكية.
التحدي الأكبر للأردن اليوم محاولات إسرائيلية لفرض واقع ديموغرافي جديد في الضفة الغربية قد يؤدي إلى "التهجير القسري". الأردن يتعامل مع "التهجير" كإعلان حرب التحرك الأردني لا يكتفي بالتنديد، بل يعمل على بناء "جبهة صد" عربية ودولية تمنع إسرائيل من استغلال فوضى الحرب الإقليمية لتنفيذ "ترانسفير" صامت. جلالة الملك يشدد على أن حل القضية الفلسطينية هو المفتاح الوحيد لمنع انفجار المنطقة، وأن أي محاولة لتصفية القضية على حساب الأردن ستؤدي إلى انهيار منظومة الأمن الإقليمي بالكامل.
وبنفس الوقت الأردن يتعامل مع ترامب بمنطق "الشريك الاستراتيجي الضروري".
رغم براغماتية ترامب واندفاعه نحو "الصفقات"، إلا أن الأردن يذكره دائماً بأن استقرار المملكة هو مصلحة أمريكية عليا. الأردن يسعى لضمان ألا تأتي أي "صفقة" بين ترامب وإيران على حساب المصالح الأردنية العليا، خاصة فيما يتعلق بالولاية الهاشمية على المقدسات وقضية اللاجئين.
فاليوم معالي وزير الخارجية أيمن الصفدي يتبنى حالياً لغة هي الأشد في الدبلوماسية الأردنية. هو يجوب ويتصل بالعواصم لتوضيح أن ما تفعله إسرائيل في الضفة ليس "أمناً"، بل هو "تدمير لمستقبل المنطقة".
والأردن يستخدم ورقة المقدسات كأداة ضغط دولية. أي مساس بالأقصى يعني انفجاراً لا يمكن لأمريكا ولا لإسرائيل احتواؤه، والأردن يذكّر واشنطن دائماً بأن استقرار الأردن مرتبط باستقرار القدس.
الضغط على إدارة ترامب بـ "الواقعية"، فترامب رجل أرقام. يجب على الأردن أن يوضح لترامب أن "تكلفة انهيار الاستقرار في الأردن" (بسبب التهجير أو ضربات إيران) ستكلف الخزينة الأمريكية مليارات الدولارات في عمليات إغاثة وتأمين حدود، وهو ما يكرهه ترامب. بالتالي، حماية الأردن هي "توفير للمال الأمريكي".
كما بما أن باكستان هي الوسيط الآن بين ترامب وإيران، على دول مجلس التعاون والأردن التواصل المكثف مع إسلام آباد لضمان أن أي "صفقة" قادمة تتضمن بنداً واضحاً بوقف استهداف الأردن أو استخدام أراضيه، ووقف دعم المليشيات على الحدود الشمالية (سواء المخدرات أو المسيرات).
بالنهاية الأردن اليوم يلعب دور "كابح الجماح". هو يكبح جماح التطرف الإسرائيلي الذي يريد استغلال الحرب لتغيير الجغرافيا وفرض واقع جديد ، ويكبح جماح التهور والجنون الإيراني الذي يريد حرق المنطقة للنجاة بنفسه.