في زمن تتسارع فيه وسائل التواصل وتتشعب فيه مصادر المعرفة، لم تعد الفتوى الدينية حكراً على أهل الاختصاص، بل أصبحت ساحة مفتوحة لكل من امتلك منبراً أو حساباً رقمياً. هذا الواقع أفرز حالة من التباين، بل أحياناً التضارب، في الآراء والفتاوى، ما انعكس سلباً على وعي الناس واستقرارهم الفكري والديني. ومن هنا تبرز أهمية الحديث عن توحيد الفتوى الدينية كضرورة ملحّة لا خياراً ثانوياً.
توحيد الفتوى لا يعني مصادرة الاجتهاد أو إغلاق باب التفكير، بل هو تنظيم لهذا الاجتهاد ضمن أطر مؤسسية رصينة، يقودها علماء مؤهلون يمتلكون أدوات العلم الشرعي وفهم الواقع. فالدين الإسلامي بطبيعته قائم على التيسير والاعتدال، لكنه في الوقت ذاته يرفض الفوضى والتشدد غير المنضبط. وعندما تتعدد الفتاوى في المسألة الواحدة دون ضوابط، يقع الناس في حيرة، وقد يختار البعض ما يوافق هواه لا ما يوافق الشرع.
إن غياب مرجعية موحدة للفتوى يفتح الباب أمام التطرف من جهة، والتسيّب من جهة أخرى. فهناك من يستغل الدين لتبرير أفكار متشددة، وآخرون يوظفونه لتبرير الانفلات القيمي، وكلاهما خطر على المجتمع. لذلك، فإن وجود جهة رسمية أو مجلس علمي معتمد يُعنى بإصدار الفتاوى ويحذر على الغير اصدارها ، يساهم في تحقيق التوازن، ويمنح الناس الثقة والطمأنينة في ما يتلقونه من أحكام شرعية.
كما أن توحيد الفتوى يسهم في حماية النسيج الاجتماعي، خاصة في القضايا الحساسة التي تمس الأسرة والاقتصاد والعلاقات المجتمعية. فاختلاف الفتاوى في هذه المجالات قد يؤدي إلى نزاعات، أو إلى اتخاذ قرارات مصيرية بناءً على اجتهادات غير دقيقة. بينما وجود رأي موحد ومدروس يعزز الاستقرار ويقلل من التباين في السلوكيات.
ولا يمكن إغفال دور الإعلام والمنصات الرقمية في هذه المسألة، حيث ينبغي أن تتحمل مسؤوليتها في عدم نشر الفتاوى غير الموثوقة، وأن تُسهم في توجيه الناس نحو المصادر الرسمية المعتمدة. كما يقع على عاتق المؤسسات الدينية تطوير خطابها، ليكون قريباً من الناس، واضحاً، ومواكباً للتحديات المعاصرة.
ختاماً، فإن توحيد الفتوى الدينية ليس تقييداً للفكر، بل حماية له من العبث، وصونٌ للدين من التوظيف الخاطئ. هو خطوة نحو ترسيخ الاعتدال، وتعزيز الثقة، وبناء مجتمع أكثر وعياً واستقراراً، يعرف دينه من مصادره الصحيحة، ويعيش قيمه بوضوح وطمأنينة.