في الحادي والعشرين من آذار، حين كانت الأرضُ تتهيأُ لاستقبالِ ربيعها، انشقَّ الفجرُ عن ربيعٍ من نوعٍ آخر؛ ربيعٍ لم تُزهر فيه الورودُ فحسب، بل أزهرت فيه كرامةُ أمةٍ، وانبعثت من ثنايا الغورِ أسطورةُ المجدِ الأردنيّ الخالدة. إنها معركة الكرامة، اليوم الذي لم يكن مجرد صِدامٍ عسكري، بل كان زلزالاً هزَّ قناعاتِ اليأسِ، وأعادَ لبوصلةِ الحقِّ اتجاهها الصحيح.
على ضفافِ النهرِ المقدس، حيثُ يلتقي عبقُ التاريخِ بصلابةِ الحاضر، وقفَ نشامى الجيش العربي المصطفوي طوداً شامخاً أمام غطرسةِ القوة. كانت النيرانُ تلتهب، لكنَّ قلوبَ الجندِ كانت أشدَّ اتقاداً بحبِّ الثرى. هناك، لم تكن المدافعُ وحدها من يتحدث، بل كانت عزيمةُ الهاشميين وروحُ الإقدامِ تملأُ الأفق، لتعلنَ للكونِ أنَّ هذه الأرضَ "حرامٌ" على الغزاة، وأنَّ طينَ الغورِ مجبولٌ بمسكِ الشهادةِ وعرقِ الصبر.
لقد توهمَ المعتدي أنَّ الطريقَ سيكون مفروشاً باليسر، فإذا به يصطدمُ بأسودٍ لا تهابُ المنية، وبقيادةٍ ميدانيةٍ فذةٍ أدارت رحى المعركةِ باقتدارٍ وعنفوان. في ذلك اليوم، تحطمت أسطورةُ "الجيش الذي لا يُقهر" تحت سنابك خيلِ الحق، وتناثرت هيبةُ العدوِ أشلاءً بين تلالِ السلطِ ووهادِ الكرامة. لقد أثبتَ الأردنُّ للعالمِ أجمع، أنَّ قوةَ الشعوبِ لا تُقاسُ بالعددِ والعدةِ فحسب، بل بفيضِ الانتماءِ وعمقِ الإيمانِ بعدالةِ القضية.
إنَّ الاحتفاءَ بذكرى الكرامة ليس مجرد استحضارٍ للماضي، بل هو تجديدٌ للعهدِ والولاء. إنها الرسالةُ التي نحملها في حدقاتِ العيون؛ أنَّ الأردنَّ سيبقى السدَّ المنيع، والحصنَ الحصين، والقلبَ النابضَ بالعروبة. نحنُ لا نقرأُ الكرامةَ في كتبِ التاريخ، بل نعيشها في كلِّ ذرةِ رملٍ، وفي كلِّ خفقةِ علمٍ يرفرفُ في سماءِ العز.
سلامٌ على الأرواحِ الطاهرةِ التي صعدت إلى بارئها وهي تذودُ عن حياضِ الوطن، وسلامٌ على الجباهِ السُّمر التي لم تنحنِ إلا لبارئها، وسلامٌ على أردنِّ الكرامةِ، وطناً حراً، عزيزاً، ومهابةً لا تنطفئ.