في كل مساء من أمسيات رمضان، هناك أمٌّ ترفع هاتفها لتطمئن على ابنها، تسأله بحنانٍ صادق: شو أفطرت يمّه؟
فيجيبها بكلماتٍ مختصرة تحمل الكثير من الطمأنينة: خير الله كثير.
لكنها ربما لا تعلم أن إفطاره لم يكن على مائدةٍ عامرة، بل على ثغرٍ من ثغور الوطن، حيث يقف حارسًا أمينًا مع غروب الشمس، يلتقي عنده صيام النهار بواجب الحراسة.
هؤلاء هم رجال الميدان الذين يفطرون كل يوم وهم في مواقعهم، حيث تختلط رائحة طعامهم بعبق تراب الوطن. قلوبهم تعشق هذا التراب، وأعينهم ساهرة تحرس أمنه واستقراره.
يدٌ تحمل السلاح حمايةً للوطن، ويدٌ أخرى تتناول حبة تمر تكسر بها صيام يومٍ طويل.
لا يثنيهم تعب، ولا توقفهم مشقة، لأنهم يدركون أن خلفهم وطنًا كاملًا ينام مطمئنًا بفضل سهرهم ويقظتهم.
هناك، على الحدود والثغور، يقفون بصمتٍ وكبرياء، يؤدون واجبهم بإخلاص، لا ينتظرون ثناءً ولا يبحثون عن الأضواء. وربما لا يعرف الكثيرون تفاصيل يومهم الطويل، لكن الوطن يعرفهم جيدًا، ويعرف خطواتهم التي لا تتعب وسهرهم الذي يمنح الآخرين الطمأنينة.
إنهم أولئك الذين اختاروا أن يكونوا في مواقعهم حين يحتاجهم الوطن، غير آبهين بطول غيابهم عن أهاليهم أو قسوة الظروف، لأن في قلوبهم إيمانًا عميقًا بأن حماية الوطن شرف لا يضاهيه شرف.
وهكذا يمضي رجال الواجب أيامهم في رمضان… بين صيامٍ وواجب، وبين دعاء الأمهات وأمانة حماية الوطن.
وفي وطنٍ كالأردن، تبقى الثغور عامرة برجالٍ نذروا أنفسهم لحمايته، يقفون بثباتٍ كجبال البلاد، لا يلين لهم عزم ولا تفتر لهم همة. ومع كل غروب شمسٍ في رمضان، تتجدد حكاية الوفاء بين الجندي ووطنه، وبين دعاء الأمهات وسهر العيون التي تحرس الحدود. فهؤلاء ليسوا مجرد جنود يؤدون واجبهم، بل هم عنوان الكرامة وسند الطمأنينة لهذا الوطن، وبفضلهم يبقى الأردن آمنًا مطمئنًا، يرفرف علمه عاليًا فوق ثغوره وحدوده.