في الخامس عشر من شباط من كل عام، يقف الأردنيون إجلالًا وإكبارًا في يوم الوفاء للمتقاعدين العسكريين، ذلك اليوم الذي يجسد نهجًا وطنيًا ثابتًا في تقدير من أفنوا أعمارهم في خدمة تراب الوطن، وحملوا أرواحهم على أكفّهم دفاعًا عن رايته وكرامته.
المتقاعدون العسكريون ليسوا مجرد أسماء في سجلات الخدمة، بل هم صفحات مضيئة في كتاب الوطن، رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فكانوا على الدوام حراس الدار وسند الدولة ودرعها الحصين. في كل موقع خدموا فيه، تركوا أثرًا من الانضباط والالتزام والتضحية، ليظل الأردن آمنًا مستقرًا، قويًا بقيادته وشعبه وجيشه.
ويحظى المتقاعدون العسكريون باهتمام ملكي مباشر من قبل جلالة الملك عبدالله الثاني، الذي يحرص على متابعة شؤونهم وأحوالهم، وتفقد رفقاء السلاح، تقديرًا لعطائهم وتضحياتهم. هذا الاهتمام يعكس فلسفة الدولة الأردنية القائمة على الوفاء لمن خدموا بإخلاص، ويؤكد أن الجندي الأردني يبقى محل رعاية وتقدير حتى بعد أن يترجل عن ميادين الخدمة.
عندما تجلس مع أي متقاعد عسكري، تدرك حجم العشق الذي يسكن قلبه للمؤسسة العسكرية. يستذكر سنوات خدمته بكل فخر، يتحدث عن الميدان، عن الانضباط، عن رفاق السلاح، وعن تفاصيل الحياة العسكرية التي شكّلت وجدانه وصقلت شخصيته. كثيرًا ما تسمعه يقول: "ليت الأيام تعود لأرتدي البزة العسكرية من جديد"، فهي لم تكن وظيفة فحسب، بل كانت رسالة وحياة وهوية.
المؤسسة العسكرية الأردنية لم تكن يومًا مجرد جهاز أمني، بل مدرسة في الوطنية والانتماء، تخرّج فيها رجال حملوا قيم الشرف والتضحية، واستمروا بعد تقاعدهم في خدمة مجتمعهم، كلٌ في موقعه، محافظين على روح الجندية والانضباط.
ويأتي يوم الوفاء ليعيد تسليط الضوء على تضحيات هؤلاء الرجال، ويجدد العهد بأن الأردن لا ينسى أبناءه الأوفياء. فهو يوم يحمل في طياته رسالة واضحة: أن من قدّم للوطن عمره وجهده سيبقى محل اعتزاز وتقدير، وأن مسيرة البناء والأمن والاستقرار التي أسهموا في ترسيخها ستظل شاهدًا على عطائهم.
إن المتقاعدين العسكريين هم ذاكرة الوطن الحية، وخبرته المتراكمة، ورمزه للعزة والكرامة. هم الذين علمونا أن خدمة الوطن شرف لا يضاهى، وأن التضحية من أجله واجب مقدس. وفي يومهم، نقف احترامًا، ونقول لهم: كنتم وما زلتم جنود الوطن، وحراس مسيرته، وعنوان وفائه الدائم.