لم تعد المعركة على حدودٍ مرئية، ولا في ساحاتٍ تُرفع فيها الرايات وتُسمع فيها أصوات المدافع. ثمة حربٌ أخرى، أكثر خبثًا وأشد قسوة، تدور في الأزقة، وفي المدارس، وعلى شاشات الهواتف، وتطرق أبواب بيوتنا دون استئذان. إنها حرب المخدرات… حين يُستهدف الوطن من بوابة شبابه.
لسنا أمام حالات فردية معزولة، ولا نزوات عابرة لشبابٍ طائش. نحن أمام مشروع تخريبٍ منظم، يعرف جيدًا أين يضع سُمَّه، وكيف يصطاد ضحاياه. يبدأ الأمر بصديق سوء، أو تجربة بدافع الفضول، أو حبةٍ صغيرة يُقال عنها إنها "للترفيه”، ثم ينتهي بقيدٍ ثقيل يكبل العقل، ويهدم الأسرة، ويكسر ظهر المجتمع.
الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في المادة المخدِّرة، بل في البيئة التي تسمح لها بالانتشار. في صمتٍ مريبٍ بدعوى "العيب”، في تهاونٍ أسري بدعوى "الثقة الزائدة”، في فراغٍ قاتلٍ لا يملؤه تعليمٌ نافع ولا نشاطٌ هادف. حين يغيب الحوار داخل الأسرة، وتضعف الرقابة، ويستبدل الأب حضوره بالانشغال، تصبح الفجوة مفتوحة لكل عابر طريق.
وإذا كان التاجر مجرمًا لأنه يبيع الموت في أكياس صغيرة، فإن الصمت شريكٌ غير مباشر في الجريمة. حين نعلم ونسكت، حين نرى التغير على أبنائنا ونتجاهل، حين نخشى كلام الناس أكثر من خوفنا على مستقبل فلذات أكبادنا، فإننا نمنح الخطر فرصة جديدة لينمو.
المخدرات ليست مشكلة أمنية فقط، بل قضية وعي ومسؤولية. الأمن يطارد، والقانون يعاقب، لكن الأسرة تربي، والمدرسة توجه، والجامعة تحصّن، والمجتمع يحتضن. المعركة تبدأ من البيت، لكنها لا تنجح إلا إذا امتدت إلى مقاعد الدراسة وقاعات الجامعات، عبر برامج توعوية مستمرة، ومحاضرات صريحة، وحوارات مفتوحة مع الشباب، وعرض أفلام توثيقية وتجارب واقعية تكشف بشاعة هذه الآفة وتعرّي نهاياتها المؤلمة. فالصورة الصادقة قد تردع، والقصة الحقيقية قد تنقذ، والكلمة الواعية قد تسبق الكارثة بخطوة.
نحتاج إلى خطابٍ جديد، لا يخجل من الاعتراف بالمشكلة، ولا يختبئ خلف ستار السمعة. الاعتراف ليس فضيحة، بل بداية إنقاذ. والمواجهة ليست ضعفًا، بل شجاعة تحمي ما تبقى.
هذه ليست كلمات للوعظ، بل صرخة مسؤولية. فالشباب الذين يُستهدفون اليوم هم عماد الغد، وأي تصدعٍ في وعيهم هو تصدعٌ في جدار الوطن كله. حماية أبنائنا ليست خيارًا ثانويًا، بل واجبًا وطنيًا وأخلاقيًا ودينيًا.