أبو الرب: الزراعة المستدامة والأمن الغذائي
خيار استراتيجي لمواجهة التغير المناخي
نيروز – محمد محسن عبيدات
قال الدكتور محمد أمين أبو الرب، رئيس المعهد
الدولي العربي للسلام والتربية، والمسجّل في جنيف، إن المعهد نظم مساء الثلاثين من
كانون الأول/ديسمبر، عبر منصة Zoom، ندوة علمية متخصصة حول الزراعة المستدامة والأمن
الغذائي، بمشاركة نخبة من الخبراء وأعضاء لجنة الزراعة المستدامة والمياه والبيئة الدولية،
الذين شكلوا فرسان هذه الندوة بما قدموه من رؤى علمية وتجارب عملية.
وأكد أبو الرب أن الندوة انطلقت من حقيقة
راسخة مفادها أن المياه شكّلت على مرّ العصور حجر الزاوية في حياة الإنسان وجميع الكائنات
الحية، غير أن التغيرات المناخية المتسارعة فرضت تحديات غير مسبوقة في إدارة الموارد
المائية، ما يستدعي تبني ممارسات زراعية مستدامة قادرة على حماية النظم البيئية وضمان
استمرارية الإنتاج الغذائي.
وأوضح أن الندوة تناولت نماذج متعددة للزراعة
المستدامة، من بينها الزراعة المرنة، والزراعة الحافظة، والزراعة الإيكولوجية، والزراعة
الغابوية، والزراعة العضوية، باعتبارها مناهج متكاملة تشكّل الأساس للانتقال نحو مفهوم
الزراعة المستدامة بوصفه تطورًا متقدمًا لهذه المقاربات، مع التأكيد على ضرورة اتخاذ
إجراءات عاجلة وحاسمة لترشيد استهلاك المياه في ظل تفاقم العجز المائي الناجم عن التغير
المناخي وارتفاع انبعاثات الغازات الدفيئة.
وأشار أبو الرب إلى أن العالم يعيش اليوم
ثورة خضراء لا مفر منها، فرضتها التحولات المناخية التي باتت عنصرًا هيكليًا في التخطيط
التنموي، ما يحتم الاستفادة من التقنيات المبتكرة لحماية البيئة والحفاظ على التنوع
البيولوجي. وفي هذا السياق، ناقشت الندوة حزمة من التقنيات المتكاملة، أبرزها: الري
بالتنقيط المعتمد على الطاقات المتجددة (الشمسية، والرياح، والكهرومائية)، والرقمنة
(Digitalization)، وتقنيات الري بالنانو (Nanotechnology)، وأنابيب المياه المصنوعة
من مادة Polyter، إضافة إلى نظام الري الموجّه بالجودة (CT-WAS).
وبيّن أن الدراسات والتجارب العملية أثبتت
قدرة هذه التقنيات على خفض استهلاك المياه بنسبة تتراوح بين 50% و80%، إلى جانب تحسين
كفاءة استخدام المياه، ورفع جودة وإنتاجية المحاصيل الزراعية، بما يعزز تحقيق الأمن
الغذائي في إطار السيادة الغذائية.
وأضاف أن أعضاء لجنة الزراعة المستدامة والمياه
والبيئة الدولية، برئاسة الأستاذ ليث الخصاونة، ناقشوا الترابط العميق بين قطاعات المياه
والزراعة والبيئة والطاقة، وكيفية تأثرها وتأثيرها المتبادل في ظل التغيرات المناخية،
حيث خلصت الندوة إلى جملة من النتائج، في مقدمتها التأكيد على تبني الزراعة المستدامة
والزراعة الإيكولوجية كركيزة أساسية للأمن الغذائي وحماية الموارد الطبيعية، وضرورة
الإدارة المتكاملة للموارد المائية ورفع كفاءة استخدامها في القطاع الزراعي.
وأشار أبو الرب إلى أن الندوة دعت إلى مواءمة
السياسات والبرامج الزراعية والمائية مع أهداف التنمية المستدامة ضمن رؤية تنموية شاملة،
وأكدت أهمية مأسسة الشراكة بين القطاعين العام والخاص والمجتمع المدني والمؤسسات الأكاديمية،
لضمان استدامة الجهود التنموية.
كما تطرقت المناقشات إلى تعزيز التعاون الدولي
في قضايا المياه العابرة للحدود، عبر تفعيل آليات تسوية النزاعات المتعلقة بتقاسم الموارد
المائية المشتركة، وتشجيع الحوار البنّاء بين الدول المتشاطئة، بما يضمن إدارة مستدامة
وتوزيعًا عادلًا ومنصفًا للحصص المائية.
وسلطت الندوة الضوء على تجارب الدول العربية،
ومنها الأردن، في إشراك القطاع الخاص في توزيع مياه الري من خلال جمعيات مستخدمي المياه،
لما لذلك من دور في تعزيز الإدارة التشاركية، ورفع كفاءة إدارة المياه، وإشراك المزارعين
في حماية هذا المورد الحيوي، وتقليل الأعباء المالية والإدارية على الدول.
كما جرى عرض التجربة الأردنية في إعداد الموازنة
المائية لمختلف الاستخدامات الزراعية والصناعية والمنزلية، والاطلاع على الخطط والبرامج
التنفيذية لتقييم مصادر المياه وتحقيق التوازن المائي، إضافة إلى خطط تطوير المصادر
المائية وحمايتها وضمان استدامتها.
وأوضح أبو الرب أن الندوة شهدت عرضًا لعدد
من قصص النجاح والخبرات العملية المطبقة على أرض الواقع، بدءًا من المناطق النائية
والأقل حظًا، وصولًا إلى المناطق الأكثر توفرًا للموارد، مثل مناطق غور الأردن، مع
التركيز على أهداف الزراعة المستدامة، والأمن الغذائي، والابتكار الزراعي، ودعم صغار
المزارعين، ونشر الوعي من خلال ورش العمل والدراسات والأبحاث، ولا سيما في ملف المياه
والإدارة الشاملة للموارد المائية.
وأضاف أن النقاشات تناولت أيضًا الزراعة الذكية
تكنولوجيًا (Smart Agriculture)، بوصفها نهجًا حديثًا يدمج التقنيات الرقمية
والذكاء الاصطناعي بالممارسات الزراعية، بهدف زيادة الإنتاجية، وتقليل التكاليف، وحماية
الموارد الطبيعية، خاصة المياه والتربة، وتعزيز التكامل بين قطاعات الزراعة والبيئة
والطاقة.
وفي ختام الندوة، أعلن الدكتور أبو الرب أن
اللجنة قدمت مجموعة من المقترحات العملية، من أبرزها توقيع اتفاقيات تعاون مع وزارة
المياه والري ووزارة الزراعة، والاتحاد العام للمزارعين الأردنيين، والاطلاع على برامج
مركز دبلوماسية المياه (WDC)، إلى جانب عقد لقاءات متخصصة مع جمعيات التمور
والحمضيات في الأردن، ودراسة قصص النجاح في الزراعات الذكية في الأغوار ووادي عربة
والمفرق والرمثا.
كما أوصت اللجنة بضرورة استدامة الشراكات،
ودعم السياسات والتشريعات، وتعزيز البحث العلمي والتمويل المشترك، وربط الأولويات الوطنية
بالمنظومة الإقليمية والعالمية، وتعزيز التعاون الدولي وتبادل الخبرات، مؤكدًا أن المعهد
سيواصل جهوده في دعم هذه التوجهات ضمن إطار محلي وعربي ودولي، مع إعطاء الأولوية للقضايا
العربية في مجال المياه والزراعة والأمن الغذائي.