بمناسبة اليوم العالمي للغة برايل والذي يحييه العالم غدا الأحد في الرابع من كانون الثاني من كل عام، بعد أن أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2018، يعاد تأكيد أن الوصول إلى التعليم والمعرفة حق أصيل للأشخاص المكفوفين وذوي الإعاقة البصرية، وليس امتيازا استثنائيا.
ومنذ اعتماده، شكل نظام برايل أداة تمكين أساسية للأشخاص المكفوفين في مجالات القراءة والتعلم والتفاعل مع محيطهم التعليمي، وساهم في تعزيز استقلاليتهم ومشاركتهم الفاعلة في المجتمع، كما استفاد منه بعض الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية وفقا لدرجة الإعاقة ومتطلباتهم التعليمية.
ومع توفر نظام برايل وأدوات الدمج التعليمي، انتقل الأشخاص المكفوفون وذوو الإعاقة البصرية من دور المتلقي إلى دور الشريك في العملية التعليمية، بما ينسجم مع مبادئ العدالة التعليمية والنهج الحقوقي القائم على تكافؤ الفرص.
ولتأكيد أن التحدي الحقيقي ليس فقدان البصر، بل حرمان الإنسان من أدوات تمكينه للوصول إلى التعلم والمجتمع، يواصل الأردن جهوده في تعزيز حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وحقهم في التعليم، انسجاما مع النهج الحقوقي القائم على العدالة وتكافؤ الفرص، وفي هذا الإطار توفر وزارة التربية والتعليم الإمكانيات اللازمة لدمج الطلبة ذوي الإعاقة في العملية التعليمية، انطلاقا من أهمية التعليم كحق أساسي للجميع.
وللاطلاع على جهود الوزارة في تمكين الطلبة المكفوفين وذوي الإعاقة البصرية في التعليم، وبالأخص من خلال نظام برايل، التقت وكالة الأنباء الأردنية (بترا) مدير مديرية برامج الطلبة ذوي الإعاقة في وزارة التربية والتعليم الدكتور محمد الرحامنة، الذي أكد أن الوزارة تعمل على توفير المتطلبات التعليمية اللازمة للطلبة المكفوفين، من خلال تدريبهم منذ الصفوف الأولى على نظام برايل، وتجهيز غرف المصادر بالأدوات التعليمية المكيفة، وإتاحة المناهج الدراسية بصيغ متعددة، تشمل الكتب المطبوعة بنظام برايل والكتب ذات الخط الكبير للطلبة ذوي الإعاقة البصرية، وإنتاج الرسومات والخرائط البارزة، إضافة إلى توفير أدوات القراءة والكتابة الخاصة، مثل ألواح وأقلام برايل وأجهزة تدوين الملاحظات.
وأوضح أنه يتم توفير حزمة متكاملة من الخدمات والأدوات الداعمة للطلبة، لتعزيز استقلاليتهم وتمكينهم من المشاركة الفاعلة في العملية التعليمية.
وأضاف إن الوزارة بدأت بتنفيذ عدد من الالتزامات التي قدمتها خلال القمة العالمية للإعاقة 2025، ومنها مايتعلق بالطلبة المكفوفين، من خلال توفير أجهزة برايل الرقمية التي ستتيح للطلبة المكفوفين الفرصة لدخول التخصصات العلمية التي كانت تتطلب تهيئة إضافية، من خلال إتاحة قراءة وكتابة النصوص بصيغة برايل الرقمية والتعامل مع المعادلات والرموز العلمية، بما يمنحهم استقلالية أكبر وتفاعلا أفضل مع المحتوى التعليمي.
وأشار إلى الأكاديمية الملكية للمكفوفين/مدرسة عبد الله بن أم مكتوم، كنموذج وطني رائد في منظومة التعليم الدامج في الأردن، وأنها تتيح للطلبة تطوير مهاراتهم الأكاديمية والحسية والاجتماعية، موضحا أنها تضم مركزا لطباعة الكتب المدرسية بطريقة برايل، لجميع الطلبة المكفوفين في مختلف محافظات المملكة، ما يسهم في تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص التعليمية وتمكين جميع الطلبة من الوصول إلى مصادر المعرفة.
وأكد الرحامنة أن الوزارة مستمرة في خطة تطوير منظومة التعليم الدامج للطلبة ذوي الإعاقة، بما يضمن حقهم في التعليم ويعزز مشاركتهم الفاعلة.
من جهتها، أكدت دكتورة علم النفس التربوي إسراء أبو الكشك، أن طريقة برايل تعد الوسيلة الأساسية التي تمكن الأطفال المكفوفين من الوصول المباشر إلى المعرفة والتعليم، إذ تتيح لهم القراءة والكتابة بصورة مستقلة دون الاعتماد على الوسائط السمعية فقط.
وأوضحت أن برايل يسهم أيضا في تنمية مهارات اللغة والفهم القرائي والتفكير التحليلي، وهي مهارات جوهرية لأي عملية تعليمية ناجحة، كما يضمن مبدأ تكافؤ الفرص التعليمية، حيث يمنح الأطفال المكفوفين الحق نفسه في الاطلاع على المناهج الدراسية والكتب والمواد التعليمية، أسوة بأقرانهم من غير ذوي الإعاقة، ما يعزز اندماجهم الأكاديمي والاجتماعي ويكرس حقهم في التعليم الشامل.
وحول تطور نظام برايل الرقمي عبر اللوحات الإلكترونية، قالت إنه يعد نقلة نوعية في حياة الأشخاص المكفوفين، إذ ساهم في توسيع آفاق التعلم والوصول السريع إلى المعلومات، مشيرة إلى أن وسائل برايل الإلكترونية مكنت المكفوفين من التفاعل مع المحتوى الرقمي، واستخدام الحواسيب والهواتف الذكية، وإنجاز الواجبات الدراسية، والتواصل الإلكتروني باستقلالية، كما يعزز برايل الرقمي مهارات التعلم الذاتي، وينمي الثقة بالنفس ويسهم في دمج المكفوفين في المجتمع الرقمي، ما ينعكس إيجابا على جودة حياتهم التعليمية واليومية.
وذكرت أبو الكشك أن رحلة تعلم برايل قد تمثل تحديا لبعض الأطفال المكفوفين، خاصة في المراحل الأولى، لما تتطلبه من دقة في التمييز اللمسي وصبر وتدريب مستمر، موضحة أنه يمكن دعم الأطفال لتجاوز هذه التحديات من خلال التدخل المبكر، وتوفير برامج تعليمية متخصصة، واستخدام أساليب تفاعلية تجمع بين برايل التقليدي والتقنيات الحديثة، إضافة إلى دور الأسرة في التشجيع والتحفيز النفسي، كما يسهم توفير بيئة تعليمية داعمة في تعزيز دافعية الطفل وتسهيل إتقانه لبرايل بوصفه أداة أساسية للنجاح الأكاديمي والاستقلال الشخصي.
ولتوضيح طريقة تدريب المكفوفين المبتدئين على قراءة وكتابة برايل على أرض الواقع، تحدثت لـ (بترا) المعلمة حنان جورجي، موضحة أنها تبدأ بتعليم الطلبة الاتجاهات الأساسية لتحديد موضع كل نقطة ضمن خلية برايل، والتأكد من إتقان العد من 1-6، وأن الطفل يبدأ بعد ذلك بلمس الرمز وتحديد عدد النقاط وترتيبها للتعرف على الحرف أو الرمز الذي تمثله هذه النقاط.
وأشارت إلى أن برايل يعد أساسا لتعليم الطالب الكفيف، إذ يدمج حاسة اللمس مع السمع عند القراءة، كما أن امتلاك طريقة قراءة مستقلة تمنح الطالب استقلالية وشعورا بالمساواة، حتى وإن اختلفت طريقة القراءة عن أقرانه من غير ذوي الإعاقة.
ويؤكد اليوم العالمي لبرايل، أن تمكين الأشخاص المكفوفين من أدوات القراءة والكتابة المكيفة، يعد حقا أساسيا ويشكل حجر الأساس في تعليم دامج وعادل، ويضمن فرصا متكافئة في التعلم والاستقلال والمشاركة المجتمعية.