في عالمٍ يزداد اضطرابًا ، وتتعالى فيه أصوات الغلو وسوء فهم الدين ، يبرز إسم صاحب السمو الملكي الأمير غازي بن محمد بن طلال بوصفه أحد أعمدة الفكر الديني الوسطي في العالمين العربي والإسلامي ، وصوتًا هادئًا وعميقًا ، يعمل بصمتٍ ، وحكمة لترسيخ رسالة الإسلام الحقيقية ؛ رسالة الرحمة والمحبة والعدل .
ومن موقعه مستشارًا لجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين للشؤون الدينية والثقافية والمبعوث الشخصي لجلالته ، شكّل سموه ركيزة أساسية في ترجمة الرؤية الهاشمية القائمة على الإعتدال والحوار والتعايش .
لم تكن جهود سمو الأمير غازي في المجال الديني جهودًا إدارية أو بروتوكولية ، بل جاءت ثمرة مشروع فكري متكامل ، أساسه العلم العميق والفهم المستنير للنص القرآني . ويتجلى هذا المشروع بوضوح في رسالته للدكتوراه « الحُب في القرآن الكريم »، التي شكّلت منطلقًا فلسفيًا وأخلاقيًا لنهجه في العمل الديني والإنساني .
تنطلق الرسالة من حقيقة قرآنية راسخة مفادها أن الحب هو جوهر العلاقة بين الله وعباده ، وأن الإيمان الحق لا يقوم على الخوف وحده ، بل على المودة والقرب ، كما قال تعالى : ﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾. ومن هذا الفهم ، يقدّم سمو الأمير قراءة تُعيد التوازن للخطاب الديني ، فتجعل العبادة سلوكًا حيًا ، والأخلاق إمتدادًا للإيمان ، لا مجرد شعارات أو مظاهر شكلية .
ويؤكد سموه ، علميًا وفكريًا ، أن الحب في القرآن ليس عاطفةً مجردة ، بل قيمة عملية تُترجم عدلًا، وإحسانًا، ورحمةً، وإحتراما ًا لكرامة الإنسان . وهذا الفهم العميق هو ما انعكس على دوره كمستشار لجلالة الملك ، حيث أسهم في توجيه الخطاب الديني الأردني نحو الإعتدال ، ومواجهة الفكر المتطرف بالحكمة والعلم لا بالمواجهة الخشنة .
وفي بعده الإنساني والإجتماعي ، يربط الأمير غازي بين الحب القرآني وبناء العلاقات السليمة داخل الأسرة والمجتمع ، مؤكدًا أن المودة والرحمة هما أساس الإستقرار الإجتماعي ، وأن المجتمعات لا تُبنى بالقوانين وحدها ، بل بثقافة محبة منضبطة بالقيم . وهو ما جعل جهوده تمتد إلى دعم المبادرات التي تعزز السلم المجتمعي والعيش المشترك داخل الأردن وخارجه .
أما على الصعيد العالمي ، فقد كان لسمو الأمير غازي دور محوري في التقارب بين الأديان ، مستندًا إلى رؤية قرآنية ترى في القيم الإنسانية المشتركة أرضية للحوار لا للصراع . فمبادرات مثل « كلمة سواء »، و« رسالة عمّان »، و« أسبوع الوئام بين الأديان »لم تكن مبادرات عابرة ، بل ترجمة عملية لفكرة مركزية مفادها أن الدين ، حين يُفهم على حقيقته ، يكون جسرًا للتلاقي لا ساحة للتنازع .
ويُبرز هذا الدور بجلاء العلاقة التكاملية بين فكر سمو الأمير غازي ورؤية جلالة الملك عبدالله الثاني ، الذي جعل من الوسطية الدينية والحوار بين الحضارات ركيزة من ركائز السياسة الأردنية . فسموه لم يكن مجرد ناقل لهذه الرؤية ، بل شريكًا فكريًا في بلورتها وتقديمها للعالم بلغة علمية راقية تحظى بالإحترام الدولي .
وفي مواجهة التطرف ، يؤكد سمو الأمير غازي أن غياب مفهوم الحب القرآني الصحيح هو أحد أهم أسباب الإنحراف الديني ، وأن القسوة والعنف بإسم الدين ما هما إلا نتيجة لفهم مبتور للنصوص ، خالٍ من الرحمة التي هي روح الإسلام . ومن هنا ، جاءت جهوده الفكرية والدعوية لتصويب هذا الفهم ، وإعادة الإعتبار للدين بوصفه رسالة حياة وسلام .
ولابد من القول : إن سمو الأمير غازي بن محمد قد قدّم نموذجًا فريدًا للعالم الإسلامي ، يجمع بين عمق العلم ، ونبل الرسالة ، وصدق الإنتماء الهاشمي . نموذج يؤكد أن الإسلام ، حين يُقرأ بعقلٍ واعٍ وقلبٍ محب ، يكون قوة بناء لا هدم ، وجسر محبة لا جدار كراهية .
إنها رسالة أردنية هاشمية أصيلة ، تُخاطب الإنسان حيثما كان ، وتدعو إلى عالمٍ أكثر عدلًا ورحمةً ووئامًا .