مستشار جيوتقني يدعو إلى حلول هندسية مستدامة للحد من مخاطر السيول والانجراف وحماية الطرق والجسور في المناطق المنخفضة
الرمثا – نيروز الإخبارية –
كتب رئيس التحرير المسؤول محمد أبو طبنجة
أكد المستشار الجيوتقني المهندس محمد علي طبنجة، أهمية التعامل مع مشروع جسر الرامة والطريق البديل وفق رؤية هندسية متكاملة، تأخذ بعين الاعتبار طبيعة التربة والتضاريس ومسارات جريان مياه الأمطار، محذراً من أن الاقتصار على تكبير العبارات أو الأنفاق عند نقاط الاختناق قد لا يشكل حلاً ناجعاً في جميع الحالات، ما لم تسبقه دراسة شاملة للحوض المائي ومصادر التدفق ومساراته.
وقال طبنجة، في حديثه لـ«الدستور»، إن المناطق المنخفضة غالباً ما تتميز بوجود ترب رخوة أو مفككة أو قابلة للانهيار، وهي خصائص جيومورفولوجية تستوجب التعامل معها بحذر عند تأسيس المنشآت الهندسية، سواء كانت مباني أو جسوراً أو عبارات أو غيرها، مشدداً على ضرورة إخضاع مواقع هذه المنشآت لدراسات جيوتقنية وهيدروجيولوجية وجيومورفولوجية معمقة.
وأضاف أن طبيعة هذه الترب وخصائصها الفيزيائية قد تتغير تبعاً للظروف المناخية وتقلباتها، الأمر الذي يتطلب تحليلاً دقيقاً لنتائج الدراسات، وعدم الاكتفاء بموقع المنشأة وحده، بل توسيع نطاق الدراسة ليشمل محيطها الجيولوجي والتضاريسي والتكويني، إلى جانب جمع البيانات والمعلومات التاريخية التي تشكل جزءاً أساسياً من فهم طبيعة الموقع ومخاطره المحتملة.
وفيما يتعلق بمعالجة تدفق مياه الأمطار، أوضح طبنجة أن الحلول الهندسية الفاعلة في المناطق المنخفضة ينبغي أن تبدأ من أعالي المنحدرات، أي من المواقع التي تنطلق منها مياه الأمطار وتبدأ رحلتها عبر المسارات الطبيعية وصولاً إلى النقاط الأكثر انخفاضاً، مروراً بمناطق الاختناق والمضائق والقطوع الصخرية والترابية ومنافذ الجسور والعبارات.
وبيّن أن هذا المفهوم يقود إلى ضرورة إعادة النظر في أساليب معالجة السيول، إذ إن تكبير العبارات والأنفاق أو تشتيت مسارات المياه عند نقاط الاختناق القريبة من المصبات النهائية لا يمثل بالضرورة حلاً جذرياً، ما لم تتم دراسة الحوض المائي بأكمله والتحكم بالتدفقات منذ مصادرها.
وأشار إلى أن المطلوب هو الانتقال من سياسة التعامل مع المياه عند وصولها إلى نقاط الاختناق، إلى سياسة إدارة الجريان منذ بدايته، من خلال تحليل مسارات المياه الرئيسية والفرعية، ودراسة المسارات البديلة المقترحة، وتوجيه التدفقات بما يسهم في تخفيف ضغط المياه وسرعتها وكمياتها قبل وصولها إلى الجسور والعبارات والأنفاق.
وأضاف أن من الوسائل الممكنة في هذا المجال الاستعانة بمبدأ التخزين الجزئي لمياه الأمطار، وتوزيع التدفقات بصورة مدروسة، بما يحد من اندفاع المياه ويخفف الأحمال الهيدروليكية على المنشآت الواقعة في المناطق المنخفضة، مشيراً إلى أهمية متابعة جميع المسارات الرئيسية والفرعية والتأكد من عدم وجود اختناقات على امتدادها قد تؤدي إلى زيادة سرعة التدفق أو تجميع كميات كبيرة من المياه في نقاط محددة.
وشدد طبنجة على ضرورة تكثيف المصدات المائية بصورة متتابعة كلما اقتربت المياه من نقاط الاستقبال، إلى جانب توسيع المصاطب والأكتاف قبل الجسور والعبارات وبعدها، بما يحول دون نخر التربة وانجرافها، ويحافظ على أساسات المنشآت ويحميها من الانكشاف، خصوصاً في المناطق التي تتسم تربتها بقابلية عالية للانجراف.
ولفت إلى أهمية اتخاذ إجراءات هندسية تمنع ارتطام الصخور بأجسام الجسور وإغلاق فتحات تصريف العبارات، فضلاً عن ضرورة معالجة المناطق الواقعة بعد منافذ الجسور، بحيث لا تتعرض المياه للسقوط من ارتفاعات كبيرة تؤدي إلى نحر قيعان المصبات وانجراف التربة المحيطة بالأساسات.
وأوضح أن توفير مناطق جريان ومصاطب بمناسيب مناسبة بعد عبور المياه، وإنشاء مصاطب منخفضة ومائلة وفق التصاميم الهندسية الملائمة، من شأنه الحد من سرعة المياه وقوة اصطدامها بقاع المجرى، وبالتالي تقليل مخاطر الانجراف وتعرية الأساسات.
وأكد أن اختيار مواقع إنشاء الجسور ينبغي أن يراعي، قدر الإمكان، الابتعاد عن نهايات المنحدرات ومناطق الإجهاد المباشر، أو على الأقل تخفيف تأثيراتها، مبيناً أن من أبرز المخاطر التي تواجه الطرق والبنية التحتية في المناطق المنخفضة وقوعها بصورة متعامدة مع المنحدرات الواقعة أعلى منها، الأمر الذي يجعل تدفقات مياه الأمطار تعترض مسارات الطرق بشكل مباشر، ويزيد من احتمالات تعرضها للأضرار والانهيارات.
وفيما يتعلق بالمرحلة الحالية، قال طبنجة إن دخول موسم الشتاء وبدء الهطولات المطرية يفرضان التعامل مع الواقع القائم وفق إجراءات السلامة والوقاية الممكنة، مع إدراك أن تنفيذ جميع المعالجات الهندسية المقترحة يحتاج إلى وقت ودراسات وأعمال ميدانية متخصصة.
وأعرب عن أمله بأن يمر الموسم المطري الحالي بأقل الأضرار، وأن تشكل المرحلة التي تليه نقطة انطلاق نحو حلول هندسية مستدامة، تقوم على الدراسات العلمية والتخطيط المسبق، وتحقق متطلبات السلامة العامة وتحافظ على الطرق والجسور والبنية التحتية، وتحد من الخسائر المادية والبشرية.
واختتم طبنجة حديثه بالإشادة بجهود المهندسين والفرق الفنية والميدانية التي تعمل في ظروف صعبة، مؤكداً أن حجم الجهد المبذول في حماية البنية التحتية ومواجهة التحديات المطرية قد لا يكون ظاهراً للجميع، لكنه يستحق التقدير والثناء، متمنياً لهم التوفيق في أداء مسؤولياتهم.