تشهد العقود الأخيرة تحولات اجتماعية متسارعة نتيجة التطور بثورة التكنولوجيا مما أحدثت شرخا عميقا في بنية المجتمعات العربية المحافظة حيث يرى الكثيرون أن التجاوزات المتكررة على منظومة الأخلاق والقيم قد بلغت حدا جعل أبناء المجتمع يشعرون بالغربة داخل أوطانهم ويعود هذا التغير القيمي في نظر الكثير من المراقبين إلى التدفق الثقافي الغربي الذي تغلغل في تفاصيل الحياة اليومية مستهدفا الركائز الأساسية التي بنيت عليها الحياة الاجتماعية ومن أبرز هذه المظاهر انتشار العري والألفاظ البذيئة التي باتت تسوق تحت لافتة الشهرة وصناع المحتوى والنجومية الزائفة على منصات التواصل الاجتماعي ولم يقتصر الأمر على السلوكيات الفردية بل امتد ليشمل تراجعا حادا في منظومة التعاملات اليومية وزيادة مقلقة في معدلات الجريمة والقتل وتزداد هذه المعضلة تعقيدا مع غياب الدواوين والمجالس الشعبية والعشائرية التي كانت تمثل المدارس الحقيقية لتعليم القيم والأخلاق السنعه وضوابط الحياة الاجتماعية وضبط سلوك الأفراد ويتزامن هذا الغياب مع استحداث تشريعات وسياسات رسمية يرى طيف واسع من المجتمع أنها ساهمت في إضعاف الروابط والضوابط التقليدية مثل قوانين حماية الأسرة الحديثة ومنع الضرب أو الرسوب في المدارس بالإضافة إلى اعتماد سياسة الأمن الناعم في التعامل مع الخروقات السلوكية والأمنية ومثل هذه الإجراءات أدت في نظر الكثيرين إلى غياب هيبة المعلم والمؤسسة التربوية والأمنية ولم تعد الضوابط التي نشأت عليها الأجيال السابقة موجودة مما أفرز واقعا يسهل فيه التعدي على المواطنين ورجال الأمن بل ووصل الأمر إلى حدوث جرائم اعتداء وقتل في وضح النهار ووسط جموع غفيرة من الناس دون أن يحرك أحد ساكنا وهو سلوك دخيل يعكس موت النخوة والفزعة العربية الأصيلة في النفوس نتيجة لبعض السياسات الرسمية التي همشت الدور المجتمعي ولذلك فإن الضرورة تقتضي اليوم تفعيل الدور الحقيقي للضابطة العدلية وإعادة الهيبة والاعتبار للمعلم ورجل الأمن في الميدان ودعم القيادات الشعبية والوجهاء الحقيقيين النابعين من عمق المجتمع وليس الشخصيات المصطنعة وموازاة مع ذلك تبرز أهمية إعادة النظر في المسؤولية العشائرية والجماعية بحيث يتحمل كل أب سوء سلوك أبنائه وتبعات أفعالهم الجنائية والمالية منفردا دون تكبيد عصبته وأقاربه مشقة المساهمة في تحمل هذه الأخطاء إلا في حال عودة المنظومة العشائرية بكامل دورها الضابط والتوجيهي والمحاسب للأفراد كما كان عليه الحال في السابق ليعود التوازن المنشود بين سلطة القانون وسيادة القيم الأصيلة سيما وأن الاب هو من يفسد تربية أبناءه.
وبناء على ما سبق وهذا الواقع المعقد فإن صيانة المجتمع وحفظ أمنه القيمي لا يمكن أن يتحققا بمجرد البكاء على أطلال الماضي بل يتطلبان وقفة جادة ومراجعة شاملة تعيد صياغة العلاقة بين سلطة القانون وقوة العادات والتقاليد الأصيلة إن استعادة هيبة المعلم ورجل الأمن والقيادات الشعبية الحقيقية ليست مجرد ترف فكري بل هي طوق النجاة الأخير لانتشال المجتمع من مستنقع التفكك والضياع الفردي وفي المقابل فإن إلزام الآباء بتحمل المسؤولية الكاملة عن خطايا أبنائهم دون الزج بالعصبة في دوامة التبعات يمثل الخطوة الأولى نحو بناء جيل يعي عواقب أفعاله ويحترم حدود الآخرين وإذا أردنا للأمة أن تستعيد نخوتها وفزعتها فما علينا إلا أن نوائم بين روح العصر والتشريعات الحديثة وبين تلك الثوابت الأخلاقية الراسخة التي لولاها لضاع المبتدأ والخبر ولعشنا غرباء في ديار بناها الأجداد على قيم الستر والشهامة والعدالة الردعية الحازمة.