تحولت دقائق عاشها الشاب المصري مصطفى فرج عوف في مياه العقبة من حادث بحري إلى اختبار قاسٍ لقدرة الإنسان على النجاة، ولسرعة استجابة فرق الإنقاذ والغواصين والأطباء، كما أعادت فتح ملف بالغ الحساسية يتعلق بإجراءات السلامة العامة في البحر، وحدود الفصل بين مناطق السباحة ومسارات القوارب السياحية وزوارق الصيد والوسائط البحرية السريعة.
وبحسب تفاصيل الحادثة، خرج مصطفى، الذي يعمل في مدينة العقبة، لممارسة السباحة، قبل أن يصل إلى منطقة أبعد عن الشاطئ تمر بها القوارب. وهناك فوجئ بقارب يقترب منه بسرعة، وحاول الغوص أسفله تفاديا للاصطدام، غير أن مروحة المحرك أصابت ساقه وتسببت في بترها، لتبدأ سلسلة استثنائية من عمليات الإنقاذ والبحث والعلاج، انتهت بالعثور على الطرف المبتور وإجراء جراحة دقيقة لإعادة زرعه.
وتكشف الحادثة كيف يمكن لثوانٍ قليلة أن تنقل البحر من مساحة للترفيه والطمأنينة إلى مسرح لخطر بالغ، فالسباح الموجود على سطح الماء لا يظهر دائما بوضوح لسائق القارب، خصوصا مع انعكاس أشعة الشمس وحركة الأمواج والضوضاء المحيطة. وفي المقابل، قد لا يسمع السباح صوت المحرك في الوقت المناسب، أو قد يخطئ في تقدير اتجاه القارب وسرعته والمسافة الفاصلة عنه.
وتقول المواطنة تغريد الدبسي إن الأسرة قد تصل إلى البحر وهي تعتقد أن المنطقة كلها آمنة للسباحة ما لم توجد لافتات واضحة تمنع الاقتراب، مضيفة أن الحبال العائمة أو العوامات الصغيرة لا تكون مرئية دائما، وأن الأطفال والشباب قد يبتعدون تدريجيا عن الشاطئ من دون إدراك أنهم دخلوا فعليا في مسار بحري تستخدمه القوارب.
ويشير المواطن محمد زقوت إلى أن المشكلة لا تتعلق بالقوارب وحدها، بل بغياب المعرفة البحرية لدى عدد من مرتادي الشاطئ، موضحا أن بعض السباحين يبالغون في تقدير قدرتهم البدنية ويبتعدون لمسافات كبيرة، كما يستخدم آخرون عوامات صغيرة أو ملابس داكنة تجعل اكتشافهم صعبا، وهو ما يستدعي توعية مستمرة لا تقتصر على موسم الصيف أو على تعليق تحذير مكتوب عند مدخل الشاطئ.
ماذا يقول سائقو القوارب؟
في الجهة المقابلة، يرى سائقو القوارب أن النقاش العام كثيرا ما يحملهم كامل المسؤولية فور وقوع أي حادث، قبل معرفة الظروف المحيطة أو مراجعة أجهزة القارب ومساره وسرعته، مؤكدين أن السباح الذي يدخل فجأة إلى مسار الملاحة قد يكون صعب الرصد، لا سيما عندما يكون رأسه وحده ظاهرا فوق سطح الماء أو عندما تكون الرؤية متأثرة بالشمس والتموجات البحرية.
ويقول سائق قارب سياحي، محمد الخوجا، إن قيادة القارب قرب الشاطئ تحتاج إلى تركيز مضاعف، لكن السائق قد يواجه سباحين خارج المناطق المحددة، أو أشخاصا يقفزون من قوارب أخرى من دون تنسيق، موضحا أن الحل لا يكمن في تبادل الاتهامات، بل في رسم ممرات واضحة، وتثبيت حدود سرعة لا تقبل الاجتهاد، وتوفير مراقبين في المواقع الأكثر ازدحاما.
ويضيف الخوجا أن القارب لا يتوقف بالطريقة ذاتها التي تتوقف بها السيارة، كما أن تغيير اتجاهه بصورة مفاجئة قد يعرض الركاب وقوارب أخرى للخطر، ولذلك فإن الوقاية تبدأ قبل لحظة المواجهة، عبر منع وصول السباح والقارب إلى المساحة نفسها، والتأكد من أن السائق يعرف المنطقة جيدا، وأن القارب مزود بوسائل اتصال وإنقاذ، وأن محركه يخضع للفحص والصيانة الدورية.
ويؤكد العامل في قطاع الرحلات البحرية محمد الصمادي أن الغالبية العظمى من السائقين تدرك أن سمعة العقبة السياحية مرتبطة بالسلامة، وأن أي حادث مؤلم ينعكس على ثقة الزوار وعلى النشاط الاقتصادي، إلا أنه يرى في الوقت ذاته أن الرقابة يجب أن تطبق على الجميع، بحيث لا يسمح للقارب بتجاوز السرعة، ولا يسمح للسباح بالخروج إلى المسارات الملاحية من دون وسيلة تعريف واضحة أو مرافقة مناسبة.
وأضاف أنه لا تكتمل منظومة السلامة من دون رفع وعي السباحين، فالبحر المفتوح يختلف عن المسبح، ويجب الالتزام بالمناطق المخصصة للسباحة وتجنب السباحة منفردين لمسافات بعيدة، مع استخدام وسائل تعريف واضحة عند ممارسة السباحة الرياضية.
وتقول الشابة لبنى النتشة إن كثيرين لا يعرفون معنى ألوان العوامات أو الرايات البحرية، ولا يميزون بين منطقة السباحة وممر القوارب، معتبرة أن اللوحات المكتوبة وحدها لا تكفي، وأن المطلوب استخدام رسومات واضحة بعدة لغات، لا سيما أن العقبة تستقبل مواطنين وزوارا وسياحا وعمالا من جنسيات مختلفة.
وتشير إلى أهمية أن تنفذ فرق توعوية جولات قصيرة على الشواطئ خلال ساعات الذروة، بحيث تشرح للناس الحدود الآمنة ومخاطر الابتعاد، وتوزع إرشادات مختصرة يمكن الوصول إليها عبر رمز إلكتروني، لأن التحذير المباشر أكثر تأثيرا من لوحة قد لا يقرأها أحد، كما أن وجود مراقب مدرب يمنح العائلات شعورا أعلى بالثقة والانضباط.
أنظمة تتبع للقوارب
ومن وجهة نظر المهندس طارق خطاطبة، فإن العقبة يمكن أن تتجه نحو نموذج أكثر ذكاء في إدارة الشواطئ، عبر خرائط رقمية تحدد مناطق السباحة والممرات البحرية وتُحدّث وفق كثافة الاستخدام. كما يمكن استخدام أنظمة تتبع للقوارب السياحية المرخصة، وتنبيهات جغرافية تحذر السائق عند دخول منطقة منخفضة السرعة، من دون أن تتحول التكنولوجيا إلى بديل عن العنصر البشري أو ذريعة لتقليل الدوريات الميدانية.
ويشير خطاطبة إلى أن الكاميرات المثبتة في النقاط المرتفعة تستطيع دعم عمليات المراقبة والتحقيق، بشرط تنظيم استخدامها بما يحمي الخصوصية. كما يمكن إنشاء مركز تنسيق يتلقى البلاغات ويحدد القارب أو المنطقة المعنية بسرعة، ويربط بين المراقبين البحريين وفرق الإنقاذ والمستشفيات، بما يقلص زمن الاستجابة ويمنع تضارب المعلومات في الدقائق الأولى.
وبحسب التعليمات والمعلومات الصادرة عن سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة، تتضمن محمية العقبة البحرية مناطق محددة للسباحة وأخرى لعبور القوارب، إلى جانب طوافات مخصصة لرسو القوارب، بما يسهم في تنظيم الحركة البحرية وتقليل احتمالات التداخل بين السباحين والوسائط البحرية.
وتوضح سلطة العقبة الاقتصادية الخاصة أن الحدود البحرية للمحمية تمتد إلى مسافة 350 مترا من خط الشاطئ، غير أن هذا النطاق لا يعد بأكمله منطقة سباحة، إذ توزع داخله الاستخدامات بين السباحة والغوص والسباحة بالنظارة ورسو القوارب وعبورها، وفقا لمناطق مخصصة وضوابط تنظم كل نشاط.
وتخضع الأنشطة داخل المحمية لمراقبة مستمرة من خلال دوريات برية وبحرية، إضافة إلى كاميرات ذكية تعمل على مدار الساعة، فيما تتولى فرق العمليات البحرية متابعة حركة القوارب ورصد المخالفات والأضرار التي قد تنجم عنها، بما يدعم حماية مستخدمي البحر والمحافظة على البيئة البحرية.
كما توفر المحمية طوافات خاصة لرسو القوارب بهدف الحد من الرسو العشوائي وتنظيم توقفها وحركتها، في حين تنفذ رحلات القوارب الزجاجية من خلال القوارب العاملة في العقبة، وتمارس أنشطة الغوص عبر مراكز الغوص المسجلة، بما يعزز خضوع الأنشطة البحرية لإطار تنظيمي ورقابي.
وتخدم هذه الإجراءات سلامة السباحين وسائقي القوارب معا، إذ يمنح تخصيص مناطق السباحة المواطنين والزوار مساحة يُفترض أن تكون بعيدة عن حركة المحركات، بينما توفر ممرات عبور القوارب وطوافات الرسو مسارات معروفة للسائقين، وهو ما يجعل الالتزام بالحدود والعوامات والإشارات البحرية مسؤولية مشتركة بين الطرفين. أحمد الرواشدة "الغد"