في الأردن، لا يحتاج التآخي الإسلامي المسيحي إلى شعارات تُرفع، لأنه حاضر في تفاصيل الحياة اليومية، وفي علاقات الناس، وفي مواقع العمل، وفي الأفراح والأتراح. وفي مادبا تحديدًا، تتجسد هذه الحقيقة بصورة ناصعة، لتؤكد أن هذا الوطن كان وسيبقى مساحة واسعة للمحبة والاحترام والتعايش بين الجميع.
ومن بين أجمل القصص الإنسانية التي تستحق أن تُروى، قصة الراحل ممدوح حسن الجناينة "أبو الوليد"، الشاب المسلم من الجالية المصرية المقيمة في الأردن، الذي أمضى سنوات من عمره موظفًا في جمعية الأزهار التعاونية في مادبا، وهي جمعية تعود لعائلة الكرادشة المسيحية.
قد يبدو المشهد للوهلة الأولى عاديًا، لكنه في الحقيقة يحمل رسالة إنسانية ووطنية عميقة؛ شاب مصري مسلم يعمل بين أسرة مسيحية أردنية، فيعيش بينهم أخًا وزميلًا وشريكًا في العمل والعطاء، دون أن يكون للدين أو الجنسية حاجز أمام المحبة والاحترام.
لقد كان ممدوح أكثر من مجرد موظف يؤدي عمله، فقد أصبح جزءًا أصيلًا من أسرة الجمعية، مخلصًا في عمله، أمينًا في تعامله، حسن الخلق، متفانيًا في عطائه، حتى ترك رحيله فراغًا كبيرًا في نفوس من عرفوه.
وحين نعت أسرة جمعية الأزهار التعاونية فقيدها، لم تتحدث عنه كموظف فحسب، بل تحدثت عنه كأخ عزيز وركن من أركان أسرتها، وهي كلمات تختصر سنوات من العلاقة الإنسانية الصادقة التي تجاوزت حدود الوظيفة والدين والجنسية.
وهنا تتجلى عظمة الأردن.
فالأردن لم يكن يومًا وطنًا مغلقًا أمام الأشقاء العرب، بل كان وما زال بيتًا يحتضن أبناء أمته، ومن بينهم أبناء الجالية المصرية الذين يعيشون بين أهلهم وإخوانهم، يعملون ويساهمون في المجتمع، وتجمعهم بالأردنيين علاقات الأخوة والاحترام والمصالح المشتركة.
وتأتي قصة ممدوح لتجمع في مشهد واحد الأردني والمصري، والمسلم والمسيحي، وتقول إن القيم الإنسانية قادرة على إسقاط كل الحواجز المصطنعة، وإن الأخوة الحقيقية لا تسأل الإنسان عن جنسيته أو دينه عندما يكون إنسانًا صالحًا ومخلصًا ومحترمًا.
وفي مادبا، تبدو هذه الصورة أكثر وضوحًا؛ فالمسجد والكنيسة، والعائلة الأردنية والعائلة العربية المقيمة، والعمل والمناسبات الاجتماعية، كلها مساحات يلتقي فيها الناس على قاعدة واحدة: نحن إخوة في الإنسانية، وشركاء في المجتمع، وأبناء فضاء عربي واحد.
إن رحيل أبو الوليد لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره خبر وفاة موظف فحسب، بل باعتباره مناسبة نستعيد فيها واحدة من أجمل القيم التي تميز الأردن: التآخي، والتسامح، واحترام الإنسان، وفتح الأبواب للأشقاء العرب.
لقد رحل ممدوح حسن الجناينة، لكنه ترك خلفه سيرة طيبة وذكرى جميلة ورسالة أكبر من الكلمات؛ رسالة تقول إن الإنسان يُخلّد بما يزرعه في قلوب الآخرين من محبة، وإن الأوطان العظيمة هي التي يستطيع فيها المسلم والمسيحي، والأردني والمصري، أن يعملوا معًا ويعيشوا معًا ويقفون إلى جانب بعضهم في السراء والضراء.
رحم الله ممدوح حسن الجناينة "أبو الوليد"، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله ومحبيه وأسرة جمعية الأزهار التعاونية الصبر والسلوان.
ولتظل مادبا كما عرفناها، مدينة التآخي والمحبة، ولتبقَ المملكة الأردنية الهاشمية وطنًا يحتضن الأشقاء، ويحمي قيم العيش المشترك، ويقدم للعالم نموذجًا عربيًا أصيلًا في التسامح والتآخي الإسلامي المسيحي.
هذه ليست قصة ممدوح وحده... إنها قصة الأردن عندما يكون الوطن بيتًا للجميع، وتكون الأخوة أقوى من اختلاف الدين والجنسية.