ليست كل الأمسيات تُروى، فبعضها يُكتب في ذاكرة الثقافة قبل أن يُكتب على الورق. هكذا كانت الأمسية التي احتضنها بيت الأديبة الأردنية الأصيلة بتاريخ 26/7 زهرية الصعوب، المرأة التي تحمل في وجدانها عشق الكرك، وتتنفس هواء الأردن، وتعرف أن البيوت العامرة بالفكر هي الحصون الحقيقية للأوطان.
في تلك الليلة، التقى ياسمين دمشق بعبق عمّان، واجتمعت نخبة من الأديبات والمثقفات والإعلاميات الأردنيات حول الروائية السورية لينا هويان الحسن؛ ابنة الصحراء والمدينة، التي أثبتت أن الكاتب الحقيقي لا ينسلخ عن جذوره مهما ابتعدت به المسافات.
ولعل من أجمل ما يقال عنها أنها أخذت من اسمها نصيبًا؛ فهي صاحبة حسن في الخُلُق والخَلْق، وفي الكلمة والإنسان. تحدثت بعفوية وصدق عن طفولتها في البادية، عن الصحراء التي لم تكن قسوةً بقدر ما كانت مدرسةً للحياة، وعن الرمال التي علمتها الصبر، والسماء التي فتحت أمامها أبواب الخيال، والنجوم التي كانت تحاورها في ليالي الطفولة، والطبيعة التي صاغت وجدانها وأيقظت فيها حس الرواية.
لم تكن تتحدث عن الماضي بوصفه ذكرى، بل بوصفه المصدر الأول لإبداعها. وأخذت الحضور في رحلة بين محطات تجربتها الأدبية، مستعرضة عددًا من أعمالها الروائية، مثل رواية "بنات النعش”، التي ولدت من وجع الفقد بعد رحيل عمها الذي أحبته كثيرًا، فتحول الألم إلى أدب، والغياب إلى رواية، والدمعة إلى نص إنساني يلامس القلوب.
وكانت الأمسية أكثر من لقاء مع روائية؛ فقد كانت مساحة للحوار وتبادل الخبرات، حيث أغنت السيدات الحاضرات الجلسة بمداخلاتهن، واستعرضت كل واحدة تجربتها وإنجازاتها في ميادين الثقافة والعمل العام والإبداع، في مشهد يعكس الوجه الحقيقي للمرأة الأردنية؛ المرأة التي تصنع المعرفة، وتؤسس للمبادرات، وتدير المؤسسات، وتبني الإنسان قبل المكان.
ومن المؤسف أن يخرج بين الحين والآخر من يصف الصالونات الثقافية بأنها مجالس للثرثرة. مثل هذه الأحكام لا تصدر إلا عن جهل بقيمة الثقافة، أو عن خوف من حضور المرأة في المشهد الفكري. فالصالونات الثقافية كانت، وما تزال، إحدى أهم أدوات صناعة الوعي.
وهل توقفت الحياة الثقافية برحيل مي زيادة؟ وهل انطفأ الفكر بعد العقاد أو طه حسين أو نجيب محفوظ؟ وهل تتوقف الحضارة برحيل أصحابها؟ إن الثقافة لا تموت بموت الأفراد، لأنها مشروع أمة، ورسالة تتوارثها الأجيال. وكل بيت يفتح أبوابه لحوار راقٍ هو امتداد لتلك المنارات التي أنارت تاريخنا العربي.
لقد أثبتت تلك الأمسية أن البيوت ليست جدرانًا وسقوفًا، بل قد تتحول إلى جامعات صغيرة، وإلى منصات للحوار، وإلى فضاءات تلتقي فيها التجارب، وتتلاقح فيها الأفكار، وتُصنع فيها الصداقات الثقافية العابرة للحدود.
كل التحية للأديبة زهرية الصعوب على هذا الفضاء الثقافي الراقي، والتحية للروائية لينا هويان الحسن التي حملت معها رائحة البادية وياسمين دمشق، وتركت في عمّان أثرًا جميلًا يليق بالأدب، والتحية لكل امرأة تؤمن أن بناء الوعي لا يقل أهمية عن بناء الحجر.
فما دام في الأردن بيوت تفتح أبوابها للكتاب والمبدعين، وما دامت المرأة تقود هذا الحراك بثقة واقتدار، فإن الثقافة ستظل بخير، وسيبقى الفكر حيًا، وستظل عمّان مدينةً تعرف كيف تحتفي بالكلمة الجميلة، وكيف تجعل من اللقاء الثقافي فعلًا من أفعال الانتماء للوطن والإنسان.