في كل يوم، تُطوى صفحة جديدة من علاقات كان يُفترض أن تنتهي بزفاف، لكنها تنتهي بدلًا من ذلك في أروقة المحاكم أو داخل دوائر الخلافات العائلية. وبين بدايةٍ امتلأت بالوعود ونهايةٍ أثقلتها الخصومات، يبرز سؤال لا ينبغي للمجتمع أن يتجاهله: لماذا تتزايد النزاعات المرتبطة بفترة الخطبة وعقود الزواج قبل الدخول، رغم أنها المرحلة التي يفترض أن تُبنى فيها الثقة لا الخصومة؟
تكشف الوقائع أن المشكلة لا تبدأ عند أول خلاف، بل تبدأ قبل ذلك بكثير؛ عندما يُختزل الزواج في مناسبة اجتماعية، ويُهمَّش الحوار الحقيقي حول القيم، والتوقعات، والمسؤوليات، والحقوق. فالعلاقة التي تُبنى على المجاملات وإخفاء الحقائق أكثر عرضة للانهيار من علاقة قامت على المصارحة منذ يومها الأول.
ولا يمكن فصل هذه الظاهرة عن الضغوط الاجتماعية التي تدفع كثيرين إلى الاستمرار في علاقات يدركون مبكرًا أنها غير مستقرة، خشية نظرة المجتمع أو خوفًا من وصف الانفصال بالفشل. غير أن الواقع يثبت أن إنهاء علاقة غير متوافقة في بدايتها أقل كلفةً من استمرارها حتى تتحول إلى نزاع قانوني أو أسري يخلّف آثارًا قد تمتد لسنوات.
ومن زاوية أخرى، لا يزال الوعي القانوني لدى كثير من المقبلين على الزواج محدودًا. فعدد غير قليل يوقّع عقود الزواج دون معرفة كافية بالحقوق والالتزامات التي يرتبها العقد، أو بالآثار القانونية المترتبة على إنهائه. وحين ينشأ الخلاف، تتحول المشاعر إلى ملفات، والوعود إلى مطالبات، وتصبح الكلمة الفصل للقانون لا للعاطفة.
ولا تقف المسؤولية عند طرفي العلاقة فقط، فالتدخلات غير المنضبطة من بعض المحيطين قد تؤجج الخلاف بدلًا من احتوائه. فحين تتحول النصائح إلى اصطفافات، والوساطة إلى ضغط، يفقد الطرفان القدرة على اتخاذ قرار عقلاني بعيدًا عن الانفعال.
إن بناء أسرة مستقرة لا يبدأ ليلة الزفاف، بل يبدأ منذ أول حوار صادق بين الطرفين. يبدأ عندما يُنظر إلى الخطبة باعتبارها مرحلة لاختبار التوافق، لا سباقًا لإتمام الزواج بأي ثمن. ويبدأ أيضًا حين يدرك الجميع أن فسخ علاقة غير صالحة ليس هزيمة، بل قد يكون قرارًا مسؤولًا يحمي مستقبل الطرفين.
إن المجتمع بحاجة إلى تعزيز ثقافة الوعي قبل الزواج بقدر حاجته إلى الاحتفاء بالزواج نفسه. فكل علاقة تُبنى على المعرفة والوضوح والاحترام تقلل من احتمالية النزاع، وتحافظ على كرامة جميع الأطراف. فالقضية ليست في ازدياد الخلافات، بل في كيفية إدارتها، وفي قدرتنا على استبدال ردود الفعل بالوعي، والعاطفة المجردة بالمسؤولية، حتى يبقى الزواج مشروع استقرار، لا بدايةً لنزاع جديد.