من يقرأ التاريخ بإنصاف يدرك أن الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس ليست منحةً من أحد، ولا ورقةً قابلةً للمساومة، وإنما هي أمانة حملها الهاشميون بصدق، وشرعيةٌ صنعتها التضحيات، ورسختها المواقف، وباركتها مسؤولية الدفاع عن القدس، المدينة التي ستبقى قلب الأمة النابض، وأولى القبلتين، وثالث الحرمين الشريفين، ومسرى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
إن القدس ليست قضية حدود، بل قضية عقيدة وهوية وكرامة، والوصاية الهاشمية هي صمام الأمان لحماية مقدساتها والحفاظ على عروبتها في وجه كل محاولات التهويد وطمس الهوية.
وفي الوقت الذي تتصاعد فيه التحديات، تتعرض منطقتنا لحملات تحريض وحروب إعلامية وإلكترونية هدفها زرع الشقاق بين الشعب الأردني والشعب الفلسطيني، وبث خطاب الكراهية، وإثارة الفتن، وإضعاف الجبهة التي طالما شكلت السند الحقيقي للقدس وفلسطين. إن هذه المحاولات لن تنجح ما دام الأردني والفلسطيني يدركان أن وحدتهما أقوى من كل حملات التضليل.
لقد وقف الأردن مع فلسطين بالفعل لا بالشعارات، وبالتضحية لا بالمزايدة. امتزجت دماء الجيش العربي الأردني بتراب فلسطين في حرب عام 1948، وسجل الأردنيون والفلسطينيون معًا ملحمة الكرامة، حين أثبتوا أن الاحتلال ليس قدرًا، وأن الإرادة الحرة أقوى من آلة الحرب.
إن السلام الحقيقي لا يقوم على فرض الأمر الواقع، وإنما على قيام الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة على حدودها المعترف بها دوليًا، وعاصمتها القدس الشرقية، بما يضمن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ويحقق الأمن والاستقرار.
وليعلم الجميع أن العلاقة بين الأردن وفلسطين ليست علاقة جوار فحسب، بل علاقة نسب ودم وتاريخ ومصير. فما من عشيرة أردنية إلا ولها امتداد في فلسطين، وما من عشيرة فلسطينية إلا ولها جذور في الأردن. لقد حاولت ظروف السياسة أن ترسم حدودًا، لكنها لم تستطع أن تقطع وشائج الدم، ولا أن تمحو ذاكرة التاريخ.
وأقولها بفخر واعتزاز: أنا فواز أرفيفان الخريشا، ولي أقارب وأرحام في فلسطين، من جيوس وطولكرم ونابلس وجنين والقدس وجبل الخليل وغزة، كما تمتد جذور عشيرة الخريشا وعشائر بني صخر وغيرها من العشائر الأردنية والفلسطينية عبر ضفتي النهر، في مشهد يؤكد أن ما يجمعنا أكبر من كل محاولات التفريق.
إن من يراهن على تمزيق الصف الأردني الفلسطيني يراهن على وهم، لأن رابطة الدم لا تُشترى، ولا تُباع، ولا تُكسر. وسيبقى الأردن، بقيادته الهاشمية، ثابتًا على مواقفه، حاملًا لواء الدفاع عن القدس، ومناصرًا للحق الفلسطيني، وستبقى فلسطين في وجدان كل أردني، كما سيبقى الأردن سندًا وعونًا لأشقائه.
حفظ الله الأردن، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، صاحب الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، وحفظ فلسطين وأهلها، وأفشل كل من يسعى إلى بث الفرقة بين أبناء الأمة، لتبقى القدس عربيةً، ويبقى الأردن وفلسطين عنوانًا للوحدة والكرامة والوفاء.