أولاً، اسمحوا لي بإسمكم جميعا أن نتقدم بالشكر الجزيل لأخينا عون النابلسي وزوجته فرح أبو رصّاع لدعوتهم لنا واستضافتهم اشهار كتابي الجديد: "المغطس كنز كنوز الأردن: شهادة حية على أصالة الوئام الديني والعيش المشترك".
سألني أحدهم، لماذا عنوان الكتاب يتحدث عن المغطس بوصفه كنزُ كنوز الأردن؟
جوابي كان وما زال، صحيح أنَّ الأردُّنَ يمتلكُ الكثيرَ من الكنوز الأثرية والتاريخية والدينية، ولكنَّ كنزَ المغطس- وهذا ليس تحيّزا- يعتبرُ كنزُ كنوزِ الأردن، لماذا؟ بسبب الحالة الروحية الفريدة التي يمثلها هذا المكان المقدس والرسالة التي يجسدها على صعيدين:
أولاً: على الصعيد المسيحي، وأهمية ذلك في الترويج للحج المسيحي والسياحة الدينية.
ثانيا: على صعيد الأخوة الإسلامية- المسيحية التي تجمعنا معاً، وكما بقول صاحب الجلالة الهاشمية الملك عبد الله الثاني ابن الحسين المعظّم:
"بيت عنيا/ المغطس، على الضفة الشرقية لنهر الأردن، يحظى بأهمية بارزة روحية وتاريخية".
وفي مقابلة خاصة لجلالة الملك المعظم مع الإعلامية الأمريكية الشهيرة بيكي أندرسن في موقع المغطس التاريخي في العام ٢٠٢٢/١٢/١٢ لفت نظري ما أشار إليه صاحب الجلالة بِفَخرِه بأمرين هامين:
أولاً: الفخر بأن هذا التراث المسيحي التاريخي هو تراثنا our historical Christin Heritage وهذا إشارة إلى أن المسيحية خرجت من بلادنا وليست غريبة عن ديارنا ولا مستوردة من الغرب.
ثانيا: الفخر بالعلاقة بين المسيحية والإسلام في الأردن. وللأمانة فالعلاقة الأخوية التي تجمعنا في الأردن هي علاقة أخوية متجذرة في تاريخنا وتراثنا وعاداتنا العشائرية وثقافتنا وحياتنا التي نتقاسمها معا.
الإخوة والأخوات الأعزاء،
هذا الكتاب ليس مجرد سردٍ تاريخي (مع أنني حاليا أقوم بإعداد كتاب أكبر وأوسع باللغة الإنجليزية)، بل هو محاولة للإنصات إلى "صوت المكان"، وإلى "قداسة الرسالة" التي يحملها المغطس على الصعيد الروحي والديني والإنساني.
لقد حاولتُ في هذا الكتاب أن أقدّم قراءَة تجمع بين البعد اللاهوتي والتاريخي والإنساني. فالمغطس ليس مجرَّد موقعٍ على الخريطة، بل هو دلالة على معنى أعمق:
1. أنَّ الله يختار البساطة ليعلنَ مجده، فمن هذه البرية البسيطة- برية يوحنا المعمدان- ابتدأ السيد المسيح خدمته العلنية ليزرع المحبة والتسامح والغفران بين الناس، لذلك لا نستهين بما ننعم به مهما كان بسيطا ومتواضعا.
2. أن الله قادر أن يرفعنا مهما انخفضنا في حياتنا ومهما انحططنا عن تعاليمه المقدّسة، فالمغطس أخفض بقعة في العالم 392 مترا تحت سطح البحر ولكنه الأقرب إلى السماء حيث سُمع صوت الآب السماوي وحيث نزل الروح القدس بهيئة حمامة وحيث انشقت السماء دلالة على أن السماء ما زالت تَسمع صوت صلاتنا المرتفعة إلى الأعالي.
والمغطس هو مكان جامع:
أولاً: مكان يجمع المسيحيين من مختلف الكنائس والتقاليد الكنسية.
ثانيا: مكان يجمع بين المسلمين والمسيحيين، خصوصا أنَّ خمسة أنبياء مروا من هذا المكان المقدّس ومذكورون في الكتاب المقدس والقرآن الكريم ( النبي يشوع بن نون " يوشع" وهو خليفة النبي موسى، النبي إيليا التشبي "إلياس" من عجلون، النبي أليْشَع خليفة النبي إلياس "اليَشع"، النبي يوحنا المعمدان " يحيى بن زكريا"، والسيد المسيح " عيسى بن مريم" الذي ذُكر في القرآن الكريم إحدى عشرة مرة.
ثالثا، مكان يجمع الناس من كل الشعوب كونه تراث عالمي، فهو مساحة لبناء جسور المحبة والسلام والتعاون القيمي والإنساني بين كل شعوب الأرض.
الإخوة والأخوات الأعزاء،
إن هذا الإصدار هو مساهمة متواضعة في توثيق جزء من هوية هذه الأرض المباركة (أي جزء من سرديتنا الأردنية)، وفي إبراز دورها التاريخي والروحي الديني والإنساني، وفي التأكيد على أنَّ الأردنً، بقيادته الهاشمية، سيبقى أرضَ اللقاء، وأرض الحوار، وأرضَ الوئام، وأرض المحبة والسلام.
وقد كان للجهود الملكية السامية الدورَ الكبيرَ في تطوير الموقع منذ اعادة اكتشافة في العام 1995، وتسجيله على قائمة التراث العالمي اليونسكو في العام 2015، والدفع باتجاه بناء قرية للحجاج تحمل عبق الماضي وروح الحاضر. وحاليا يجري الإستعداد للإحتفال بيوبيل الألفية الثانية لعماد السيد المسيح في العام 2030 برعاية ملكية سامية كواجهة من أبراز أماكن الحج المسيحي في البلاد المقدسة والعالم.
أسأل الله أن يسهم هذا الجهد المتواضع في خدمة رسالة الأردن وقيادته الهاشمية.