أعلنت بعثة أثرية مصرية اكتشاف مدينة سكنية متكاملة تعود إلى العصر البيزنطي في موقع «عين السيل» الأثري بواحة الداخلة.
وأظهرت أعمال الحفائر أن المدينة بُنيت بالكامل من الطوب، مع احتفاظ مبانيها وتفاصيلها المعمارية بحالة جيدة، وهو ما يمنح الباحثين فرصة نادرة للتعرف على طبيعة الحياة اليومية داخل إحدى مدن الصحراء الغربية قبل أكثر من 16 قرنًا.
تخطيط عمراني متقدم وكنيسة ضخمة
وكشفت أعمال التنقيب عن تخطيط عمراني منظم، حيث امتدت الشوارع الرئيسية من الشمال إلى الجنوب، بينما تقاطعتها شوارع عرضية من الشرق إلى الغرب، لتتشكل ميادين وساحات مفتوحة بين المباني.
وتوسط المدينة كنيسة بازيليكية كبيرة يعود تاريخها إلى منتصف القرن الرابع الميلادي، وتطل مباشرة على أحد الشوارع الرئيسية، في دلالة على أهميتها الدينية ودورها المحوري داخل المجتمع آنذاك.
كما عثر علماء الآثار على برجين للمراقبة عند أطراف المدينة، إضافة إلى حصن محاط بأسوار سميكة، إلى جانب منازل واسعة تضم صالات كبيرة وأسقفًا مقبية، فضلاً عن أفران للخبز، ومطابخ مجهزة، وأدوات لطحن الحبوب، ما يعكس مستوى متقدمًا من التنظيم العمراني والحياة المعيشية في تلك الحقبة.
منازل تحمل أسرارًا تاريخية
ومن بين أبرز المباني المكتشفة منزل يعرف باسم «تيسوس»، ويعود إلى النصف الثاني من القرن الرابع الميلادي، بالإضافة إلى منزل «تابيبوس» الذي يرجع إلى بدايات القرن نفسه.
ويرجح الباحثون أن منزل «تابيبوس» استخدم ككنيسة منزلية سرية لإقامة الشعائر الدينية قبل إنشاء الكنيسة البازيليكية الرسمية، وهو ما يسلط الضوء على المراحل الأولى لانتشار المسيحية في المنطقة.
200 وثيقة فخارية وعملات نادرة
وأسفرت أعمال الحفر عن مجموعة كبيرة من اللقى الأثرية، شملت أواني فخارية للاستخدام اليومي، وقنينات لحفظ الزيوت والعطور، ومصابيح للإضاءة، وأدوات حجرية لطحن الغلال.
كما عثرت البعثة على نحو 200 قطعة من «الأوستراكا»، وهي شقافات فخارية كُتبت عليها نصوص باللغتين القبطية واليونانية، تضمنت معاملات تجارية ومراسلات يومية، الأمر الذي يمنح الباحثين معلومات مباشرة عن النشاط الاقتصادي والاجتماعي لسكان المدينة.
وشملت المكتشفات أيضًا مجموعة من العملات البرونزية المحفوظة بحالة متميزة، تحمل صورًا لأباطرة بيزنطيين ونقوشًا لاتينية ورموزًا مسيحية، إلى جانب عملات ذهبية نادرة تعود إلى عهد الإمبراطور البيزنطي قسطنطيوس الثاني، الذي حكم الإمبراطورية بين عامي 337 و361 ميلادية، وهو ما يساعد في تحديد الإطار الزمني للموقع بدقة.
وأكد وزير السياحة والآثار، شريف فتحي، أن هذا الكشف يمثل إضافة مهمة لسجل الاكتشافات الأثرية في مصر، ويبرز التنوع الحضاري الذي شهدته الواحات المصرية عبر العصور، مشيرًا إلى أن مثل هذه الاكتشافات تسهم في دعم السياحة الثقافية وتعزيز مكانة محافظة الوادي الجديد على خريطة المقاصد الأثرية العالمية.
من جانبه، أوضح الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، أن المدينة المكتشفة توفر معلومات جديدة حول أنماط الحياة اليومية والنشاط الاقتصادي والاجتماعي في واحة الداخلة خلال العصر البيزنطي، وهو ما يمنح الباحثين فرصة أوسع لفهم تاريخ المجتمعات التي استوطنت الصحراء الغربية في تلك الفترة.