لم تكن مشكلة سوريا يومًا في العقول، بل في الظروف التي أحاطت بها. فالدولة التي قدّمت علماء وأطباء ومهندسين تركوا بصماتهم في مختلف أنحاء العالم، لم تتمكن لسنوات طويلة من استثمار هذه الطاقات داخل حدودها، لتجد نفسها متأخرة عن ركب الثورة الرقمية التي غيّرت ملامح العالم.
في الوقت الذي كانت فيه دول المنطقة توسّع استثماراتها في مراكز البيانات، وتطوّر خدماتها الحكومية الرقمية، وتدعم الشركات الناشئة، كانت سوريا تواجه تحديات متراكمة أثّرت بصورة مباشرة في قطاع التكنولوجيا. فتراجع البنية التحتية، وضعف الاستثمارات، واستمرار هجرة الكفاءات العلمية، كلها عوامل أسهمت في اتساع الفجوة التقنية، وجعلت مواكبة التطورات العالمية أكثر صعوبة.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن الكفاءات السورية لم تغب عن المشهد العالمي. فهناك باحثون ومهندسون وأطباء ومبرمجون سوريون يشغلون مواقع مهمة في جامعات وشركات ومؤسسات دولية، وحقق كثير منهم نجاحات لافتة في مجالات الذكاء الاصطناعي، وهندسة البرمجيات، والطب، والاتصالات. وهذا يؤكد أن الإمكانات البشرية كانت حاضرة، لكن البيئة التي تحتضن هذه الإمكانات داخل البلاد واجهت تحديات كبيرة على مدار سنوات.
ومع دخول البلاد مرحلة جديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع، تتجه الأنظار إلى ملفات إعادة البناء، وفي مقدمتها التعليم، والبحث العلمي، والتحول الرقمي. ويأمل كثيرون أن تحظى التكنولوجيا بمكانة متقدمة ضمن أولويات المرحلة المقبلة، لما لها من دور في دعم الاقتصاد، وتطوير الخدمات، وخلق فرص عمل، وربط سوريا بصورة أوسع مع التطورات العالمية.
ويرى مختصون أن استعادة المكانة العلمية لا تبدأ بشراء أحدث الأجهزة، بل ببناء منظومة متكاملة تشجع على الابتكار، وتدعم الجامعات ومراكز الأبحاث، وتوفر بيئة جاذبة للاستثمار في قطاع التكنولوجيا، إلى جانب الاستفادة من الخبرات السورية المنتشرة في الخارج، وفتح المجال أمامها للمساهمة في نقل المعرفة والخبرة.
ولا يمكن لأي دولة أن تنافس في القرن الحادي والعشرين من دون أن تجعل التكنولوجيا جزءًا من مشروعها التنموي. فالاقتصاد الرقمي أصبح عنصرًا أساسيًا في النمو، والابتكار بات لغة العصر، فيما أصبحت الدول التي تستثمر في العقول هي الأكثر قدرة على مواجهة التحديات وصناعة المستقبل.
ورغم حجم التحديات، فإن امتلاك سوريا لرصيد كبير من الكفاءات العلمية يمنحها فرصة حقيقية للانطلاق من جديد إذا توافرت البيئة المناسبة، والسياسات الداعمة، والرؤية الواضحة التي تضع العلم في مقدمة الأولويات. وعندها، لن يكون الحديث عن اللحاق بركب التكنولوجيا مجرد أمنية، بل مشروعًا يمكن أن يتحول إلى واقع ينعكس على حياة المواطنين ومستقبل الأجيال القادمة.