لم يكن استقلال الأردن محطةً عابرة في تاريخ وطن، ولا حدثاً سياسياً وُلد في لحظة زمنية وانتهى أثره بانتهاء مراسم الإعلان، بل كان ملحمة وطنية كبرى صاغها الأردنيون الأوائل بعرقهم وصبرهم وإيمانهم العميق بأن هذه الأرض تستحق أن تُبنى عليها دولةٌ تليق بتاريخ الأمة وكرامة الإنسان. فجاء الاستقلال ثمرةً لنضال طويل، قاده الهاشميون الأطهار بحكمة القادة وعزم الرجال، ليؤسسوا دولةً حديثة قامت على مبادئ الحرية والعدالة وسيادة القانون، ورسّخت في وجدان شعبها معنى الانتماء الحقيقي للوطن والقيادة.
ثمانون عاماً مرّت منذ أن ارتفع علم الأردن خفاقاً فوق أرضه الطاهرة، وما يزال هذا الوطن يمضي شامخاً، ثابت الخطى، عصيّاً على الانكسار، رغم ما أحاط بالمنطقة من عواصف ومتغيرات. ثمانون عاماً والأردن يكتب قصته بحروف من الكبرياء، دولةً صنعت من التحديات فرصاً، ومن قلة الموارد إرادةً لا تلين، ومن وحدة شعبها سداً منيعاً في وجه كل الأزمات.
ثمانون عاماً من المسيرة المباركة تحت الراية الهاشمية، راية المجد الممتدة من إرث الثورة العربية الكبرى، والتي حملها الهاشميون أمناء على رسالة الأمة وقيمها. فمنذ عهد المؤسس الملك عبدالله الأول بن الحسين، طيب الله ثراه، مروراً بالملك الباني الحسين بن طلال، رحمه الله، وصولاً إلى حضرة صاحب الجلالة الهاشمية الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، حفظه الله، والأردن يواصل بناء دولته الحديثة بثقةٍ واقتدار، جامعاً بين الأصالة والتحديث، وبين الثبات والتطور، حتى غدا نموذجاً في الحكمة والاعتدال والاستقرار.
وفي ذكرى الاستقلال، لا يستحضر الأردنيون تاريخ وطنهم فحسب، بل يستحضرون أيضاً معنى الوفاء للعهد؛ ذلك العهد الذي لم ينقطع بين الشعب وقيادته الهاشمية، عهد المحبة والثقة والانتماء الصادق. ففي كل مرحلة من مراحل الدولة، أثبت الأردنيون أنهم أبناء وطن لا يعرف التراجع، وأنهم يقفون صفاً واحداً خلف قيادتهم، مؤمنين بأن الأردن سيبقى، بإذن الله، وطناً عزيزاً قوياً، مهما اشتدت التحديات وتعاظمت الظروف.
إن يوم الاستقلال ليس مجرد مناسبة وطنية نحتفل بها، بل هو حالة وجدانية تتجدد في القلوب، نستذكر فيها تضحيات الآباء والأجداد الذين زرعوا بذور الدولة، فأنبتت وطناً يفاخر الدنيا بأمنه واستقراره وإنسانه. وهو أيضاً يوم تتجدد فيه العزيمة لمواصلة البناء والعمل، وحمل الأمانة التي تركها الأوائل للأجيال القادمة، ليبقى الأردن منارةً للكرامة والعروبة والإنسانية.
وبكل مشاعر الفخر والاعتزاز والانتماء، نتقدم بأسمى آيات التهنئة والتبريك إلى مقام حضرة صاحب الجلالة الهاشمية الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم، وإلى سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، وإلى الأسرة الأردنية الواحدة، وإلى قواتنا المسلحة الباسلة وأجهزتنا الأمنية الساهرة على أمن الوطن، بمناسبة الذكرى الثمانين لاستقلال المملكة الأردنية الهاشمية.
سائلين المولى عز وجل أن يحفظ الأردن عزيزاً منيعا، وأن يديم عليه نعمة الأمن والاستقرار، وأن يبقى وطننا رايةً للمجد، وموطناً للعزة، وأن يظل الأردنيون كما عهدهم الوطن دائماً: أوفياء للرسالة، ثابتين على المبادئ، ماضين خلف قيادتهم الهاشمية بكل إخلاص وفداء.