تمثل ذكرى النكبة الفلسطينية في الوجدان الجمعي استمراراً لعملية اقتلاع لا تقتصر على الجغرافيا، بل تمتد لتشمل "التاريخ". وفي مدينة القدس، تبرز الحفريات الأثرية كواحدة من أخطر أدوات التهويد الحديثة، حيث يتم تحويل البحث العلمي من أداة لاستكشاف الماضي إلى وسيلة لصياغة مستقبل سياسي يطمس عروبة المدينة. ويعمل على توظيف الأيديولوجي للحفريات الأثرية في القدس ومساعي التهويد الأكاديمي الفكري مع التهويد المادي بالاستيلاء على الأرض.
"أركيولوجيا المستوطنات": تسييس البحث العلمي
تشير الأبحاث الأثرية الحديثة الصادرة عن جامعات إسرائيلية (مثل الجامعة العبرية) بالتعاون مع سلطة الآثار، إلى تركيز مكثف على "الحوض المقدس".
1.انتقائية البحث: تعمد فرق البحث الأثري إلى إعطاء الأولوية للطبقات التاريخية التي تعود لفترة "الهيكل الأول والثاني"، مع إهمال أو تهميش الطبقات الكنعانية، اليبوسية، البيزنطية، والأموية.
2.جمعية "إلعاد" والجامعات: يبرز التعاون بين الجمعيات الاستيطانية والمؤسسات الأكاديمية في مشروع "مدينة داود" بسلوان؛ حيث يتم تمويل الحفريات من جهات أيديولوجية تهدف لإثبات حق تاريخي حصري، مما يُفقد البحث الأثري استقلاليته العلمية.
الحفريات تحت المسجد الأقصى والبلدة القديمة
تتركز الأبحاث الميدانية الحالية في مناطق حساسة تهدف إلى خلق واقع جغرافي جديد:
•مشروع "طريق الحجاج": وهو نفق ضخم يمتد من عين سلوان إلى حائط البراق. تزعم الأبحاث الإسرائيلية أنه طريق توراتي قديم، بينما يؤكد علماء آثار دوليون ومقدسيون أن هذه الحفريات تتم بشكل "أفقي" مدمر علمياً، والهدف منها هو ربط البؤر الاستيطانية تحت الأرض وتفريغ الأتربة من أسفل المنشآت العربية لتسهيل انهيارها مستقبلاً.
•الحفريات الغربية والجنوبية: أدت الحفريات عند "قصور الأمويين" إلى تغيير ملامح المنطقة وتحويلها إلى "مطاهر دينية" يهودية مزعومة، بناءً على تفسيرات بحثية مشكوك في دقتها التاريخية.
التهويد الأكاديمي والاعتراف الدولي
تسعى إسرائيل لشرعنة إجراءاتها عبر قنوات علمية عالمية:
1.نشر الأبحاث: يتم نشر نتائج الحفريات في دوريات علمية عالمية بلغات أجنبية، مع استخدام مصطلحات توراتية للمواقع الجغرافية (مثل استخدام "جبل الهيكل" بدلاً من المسجد الأقصى)، لفرض الرواية الإسرائيلية في الأوساط الأكاديمية الدولية.
2.القدس عاصمة علمية: محاولة جذب المؤتمرات الأثرية الدولية إلى القدس المحتلة هي محاولة غير مباشرة لانتزاع اعتراف علمي بالقدس كعاصمة "تاريخية وأبدية"، مما يتماشى مع التوجهات السياسية بنقل السفارات والاعتراف الرسمي الدولي.
استهداف المعالم المسيحية والتعايش التاريخي
تُظهر التقارير الحديثة أن إجراءات التهويد لا تستثني الأوقاف المسيحية، خاصة في منطقة جبل الزيتون وباب الخليل. يتم استخدام الحجج الأثرية "للاستيلاء" على عقارات الكنائس (مثل قضية فندقي البتراء والإمبراطور)، بدعوى الحفاظ على مسارات سياحية تاريخية، وهي في جوهرها محاولات لكسر التوازن الديموغرافي والديني الذي ميز القدس لقرون.
خلاصة: النكبة المستمرة في ذكرى الصمود
إن الحفريات الإسرائيلية في القدس ليست مجرد "بحث عن آثار"، بل هي عملية "هندسة للتاريخ". في ذكرى النكبة، يظل التوثيق العلمي العربي والدولي المحايد هو الخط الدفاعي الأول لكشف زيف الادعاءات التي تحاول سلخ القدس عن عروبتها وتحويلها إلى "مدينة يهودية" صِرفة تحت غطاء البحث الأثري.