ليستِ الدولُ بكثرةِ ما تجمعُ من مال، ولا بما تُقيمه من جندٍ وأسوار؛ فقد عرف التاريخُ دولًا ملأت الأرضَ صهيلًا، ثم صارت أثرًا بعد عين، كما عرف ممالكَ بلغت من القوة مبلغًا ظنّ أهلُها معه أنَّ الزمان قد دان لها، فلم تلبث أن هَوَت كما يهوي النجمُ إذا انقطع عنه نورُه.
وإنما قِوامُ الدولِ معنىً يسكنها؛ فإذا فسد المعنى، لم تُغنِ عنها الراياتُ ولا القلاع.
ومن هنا كان أمرُ الهاشميين.
فما دخلوا التاريخَ سيوفًا مجرّدةً تطلب الغلبة، بل دخلوه حملةَ رسالة؛ في أعناقهم ميراثُ النبوّة، وفي وجدانهم يقينُ العروبة، وفي ضمائرهم إيمانٌ بأن الأمة التي تفقد كرامتها، تفقد حقها في البقاء.
ولقد كانت العرب، في أواخر العهد العثماني، كجسدٍ أرهقته السنون؛ لغةٌ تُحاصَر، وهويةٌ تُطمس، وإنسانٌ عربيٌّ يُراد له أن يعيش تابعًا في أرضه، غريبًا في تاريخه. فنهض الشريف الحسين بن علي صوتًا لأمةٍ أرادت أن تستعيد اسمها.
فأشعل الثورة العربية الكبرى، وما كان يشعل حربًا فحسب، بل كان يوقظ معنىً نام طويلًا في وجدان العرب؛ معنى أنَّ للأمة حقًّا في أن تحكم نفسها، وأن تكون صاحبة قرارها، لا ظلًّا في خرائط الآخرين.
ثم أفضت المقادير إلى الملك عبدالله الأول، فكان من أولئك الرجال الذين تصنعهم الشدائد. جاء إلى أرضٍ قليلة الماء، مثقلةً بالاحتمالات، تتجاذبها القبائلُ والمطامع، فبنى منها دولة.
غير أن الملك أدرك أن الأوطان لا تُبنى بالغلبة وحدها، بل ببناء الثقة بين الإنسان والدولة، حتى يشعر الناس أن الراية التي فوقهم ليست سيفًا عليهم، بل ظلًّا يحميهم.
ثم جاء الملك طلال، ففهم أن الدولة التي لا يحكمها دستور، تبقى معلّقةً بين الأهواء؛ فوضع للأردن دستورًا صار من أعمدة الدولة الحديثة، كأنما كان يكتب للأجيال ميثاقَ استقرارٍ وعدالة، لا نصوصَ حكمٍ جامدة. ومنذ ذلك الوقت، لم يعد الدستور مجرد وثيقة سياسية، بل صار تعبيرًا عن فكرة الدولة التي تعلو على الأفراد، وتبقى بهم ولهم.
كان الحسين بن طلال… وذلك فصلٌ من فصول الحكمة العربية النادرة.
حكم في زمنٍ كانت فيه المنطقة تمور كبحرٍ هائج؛ انقلاباتٌ، وحروبٌ، وخطاباتٌ تأكل أصحابها، وجيوشٌ ترفع الشعارات ثم تعود بالهزائم. غير أن الحسين أدرك ما لم يدركه كثيرون: أن الدولة لا تنجو بالصوت الأعلى، بل بالعقل الأهدأ، وأن الحِلم في بعض المواطن شجاعةٌ لا تقل عن شجاعة الميدان.
فصار الأردن، في زمن العواصف، وطنًا يعرف كيف يبقى ثابتًا وسط الركام، وكيف يحفظ كرامته دون أن يُقايض أبناءه بالخطابات، وكيف يصون الإنسان فيه من الخوف، لا من الحرب وحدها.
ثم جاء الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، والمنطقة تدخل عصر التصدّع الكبير؛ دولٌ تتآكل من داخلها، وجيوشٌ تتشظّى، وخرائطُ يُعاد رسمها بالنار. فكان الأردن، وسط هذا الركام، أشبهَ بشجرةٍ تضرب جذورها عميقًا في الأرض؛ لا لأن الريح أضعف منها، بل لأن جذورها أعمق.
ولعل أعظم ما في الهاشميين أنهم لم يجعلوا من الدولة غنيمةَ حكم، بل أمانةَ تاريخ. ولذلك بقي الأردن، على قلّة موارده وضيق جغرافيته، أكبرَ من كثيرٍ من الدول التي امتلكت المال وفقدت المعنى.
وقد عرف التاريخُ حكّامًا بنوا لأنفسهم تماثيلَ من حجر، ثم رحلوا فتهدّمت، أمّا الهاشميون فبنوا في وجدان الأردنيين معنى الدولة؛ ولذلك بقيت الدولة حيّةً، لأن ما يُبنى في القلوب أبقى مما يُبنى في الحجر.
وهكذا، لم يكن الهاشميون مجرّد ملوكٍ تعاقبوا على العرش، بل كانوا سلالةَ فكرة؛ فكرةِ الاتزان حين تضطربُ الاتجاهات، وفكرةِ الدولة حين تتراجعُ المعاني الجامعة، وفكرةِ الكرامة التي لا تُشترى ولو ضاقت الأحوال.
ولهذا بقي الأردن، وسيبقى ثابتًا في زمن التقلّبات.
لا لأنّه الأقوى سلاحًا، ولا لأنّه الأغنى مالًا، بل لأنّ فيه قيادةً نذرت نفسها للأمة، وشعبًا عرف أن الأوطان لا تُحمى بالشعارات وحدها، ودولةً بُنيت على المعنى قبل الحجر، ووطنًا تعلّم كيف يبقى، في زمنٍ سقط فيه كثيرون في العاصفة.