في كل مرة يمر فيها الوطن بظرف أو تحدٍ، نسمع أصواتًا تعود إلى الواجهة، أصواتٌ لمسؤولين سابقين اختاروا أن يتحدثوا اليوم بلغة مغايرة لما كانوا عليه بالأمس. تصريحاتٌ تحمل في طياتها كثيرًا من التهويل، وتُغلف بنبرة تشكيك، وكأنها رسائل موجهة لبث القلق في نفوس الناس بدل أن تعزز الثقة والاستقرار.
وهنا، يبرز السؤال الذي لا يمكن تجاهله: أين كانت هذه الأصوات حين كانت في موقع القرار؟ ولماذا لم نسمع هذه التحذيرات أو نشهد تلك الجرأة عندما كانت المسؤولية بأيديهم؟ إن المسؤولية لا تُجزأ، ولا تنتهي بمغادرة الكرسي، بل تمتد إلى الكلمة والموقف، خاصة حين يكون لها تأثير مباشر على وعي الناس واستقرارهم.
ليس من المقبول أن يتحول من كان جزءًا من منظومة القرار إلى مصدر للقلق والتشكيك، فالمصداقية لا تُبنى بخطابات متأخرة، ولا تُستعاد بإثارة الخوف. المسؤول الذي صمت في موقعه، لا يملك اليوم رفاهية المبالغة، ومن يعرف حجم التحديات من الداخل، يفترض به أن يكون أكثر اتزانًا لا أكثر تهويلًا.
إن إثارة القلق بين الناس ليست شجاعة، بل هروب من المسؤولية، ومحاولة للظهور على حساب استقرار المجتمع. فالوطن لا يحتمل هذا النوع من الخطاب المتقلب، الذي ينتقل من موقع القرار إلى موقع التشكيك، لأن الثبات في الموقف جزء من النزاهة الوطنية، والصدق مع الناس لا يبدأ بعد مغادرة المنصب.
لقد علمتنا قيمنا، كما أرشدنا ديننا، أن "نبشّر ولا ننفّر”، وأن الكلمة أمانة، خاصة في أوقات التحدي. فالتخويف المبالغ فيه لا يصنع وعيًا، بل يربك المجتمع ويضعف الثقة، في وقت نحن بأمسّ الحاجة فيه إلى خطاب يرفع المعنويات ويعزز التماسك.
والحقيقة التي لا تقبل الجدل، أن الأردن سيبقى ثابتًا رغم كل الظروف. بلدنا بخير، وشعبنا طيب ومضياف، يمتلك وعيًا عميقًا وإرادة صلبة. ونعتز بقيادتنا الهاشمية التي كانت وما زالت عنوانًا للشجاعة والحكمة والعدالة، تقود بثبات وتوازن، وتضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
إن المرحلة تتطلب رجال دولة حقيقيين، لا باحثين عن أضواء، وتتطلب خطابًا مسؤولًا لا عناوين مثيرة للقلق. فالنقد البنّاء مرحب به، بل ومطلوب، لكنه يختلف جذريًا عن التهويل الذي لا يخدم إلا الإرباك.
في النهاية، يبقى الوطن أكبر من كل الأصوات المتناقضة، وأسمى من محاولات تسجيل المواقف المتأخرة. وهو بحاجة إلى من يزرع الثقة، لا من يزرع الشك. فالتاريخ لا يرحم، والشعوب لا تنسى، والمسؤولية الحقيقية تُقاس بما يُبنى لا بما يُقال.