يعد مشروع الناقل الوطني للمياه كأحد أكبر الحلول الاستراتيجية ذات الأثر المباشر على المحافظات الزراعية والريفية على حد سواء، كما أنه يعيد رسم الخارطة الزراعية لمحافظات المملكة.
وينظر إلى المشروع، الذي سيوفر ما بين 300 و350 مليون متر مكعب سنويا من المياه المحلاة من العقبة، على أنه نقطة تحول في إعادة توزيع الموارد المائية بين المحافظات، بما يفتح المجال أمام دعم التوسع الزراعي في الأغوار ووادي الأردن وتحسين واقع التزويد في المحافظات المرتفعة والأطراف وتعزيز الأمنين المائي والغذائي في مواجهة التغير المناخي.
وأكد خبراء بالأمن الغذائي والمياه، لوكالة الأنباء الأردنية (بترا)، أن المشروع سيشكل فارقا تنمويا مباشرا في المحافظات التي تعاني تاريخيا من محدودية المياه وضعف الاستثمارات الزراعية المرتبطة فيها.
قال خبير الأمن الغذائي الدولي الدكتور فاضل الزعبي، إن مشروع الناقل الوطني يمثل تحولا استراتيجيا في إدارة الموارد المائية في الأردن، بوصفه أحد أبرز الحلول المستدامة لمعالجة التحديات المزمنة في قطاع المياه ورافعة أساسية لتعزيز الأمن الغذائي على مستوى المحافظات كافة.
وأوضح أن المشروع، القائم على تحلية مياه البحر الأحمر في العقبة ونقلها عبر خط أنابيب يمتد لنحو 450 كيلومترا، سيوفر قرابة 300 مليون متر مكعب سنويا من المياه المحلاة، ما يسهم في تخفيف الضغط على الأحواض الجوفية في المحافظات، ويحد من استنزافها ويعزز استدامة الموارد المائية على المدى الطويل.
وأشار إلى أن أهمية المشروع تتجاوز توفير المياه، إذ يتكامل مع مبادرات وطنية تشمل الحصاد المائي وتقنيات الذكاء الاصطناعي، بما يرفع كفاءة التوزيع بين المحافظات ويقلل الفاقد.
وبين الزعبي أن استقرار التزويد المائي سيمكن المحافظات الزراعية، خصوصا الأغوار وامتدادها في اربد والبلقاء، من التوسع المدروس في الزراعة وإدخال محاصيل ذات قيمة اقتصادية عالية، بما يقلل فجوة الاستيراد ويعزز السيادة الغذائية.
من جهتها، أكدت الخبيرة في دبلوماسية المياه المهندسة ميسون الزعبي، أن المشروع يشكل ركيزة استراتيجية لإعادة هيكلة ميزان المياه في الأردن، خاصة لصالح المحافظات التي تتحمل العبء الأكبر من الاستهلاك الزراعي.
وأوضحت أن توفير 300 إلى 350 مليون متر مكعب سنويا سيغطي نحو 25–30 بالمئة من احتياجات مياه الشرب، ما يسمح بإعادة توجيه المياه التقليدية لدعم الزراعة في المحافظات، لا سيما وادي الأردن ضمن نموذج إعادة تخصيص أكثر كفاءة.
وأضافت إن استقرار الإمدادات قد يرفع الإنتاجية الزراعية في المحافظات بنسبة 10–20 بالمئة، ويقلل خسائر المحاصيل، مع إمكانية التوسع في الرقعة المروية بنسبة 5–10 بالمئة، والتحول نحو محاصيل تصديرية عالية القيمة.
بدوره، أكد مدير اتحاد المزارعين الأردنيين المهندس محمود العوران، أهمية المشروع وضرورة ربطه بإصلاحات موازية في إدارة المياه على مستوى المحافظات.
وقال إن التحدي لا يرتبط فقط بتوفير المياه، بل بكيفية توزيعها بعدالة وكفاءة بين المحافظات، لافتا إلى أهمية تعزيز مشاريع الحصاد المائي وتوسيع البنية التخزينية التي لا تزال محدودة مقارنة بكميات الأمطار المتساقطة سنويا.
ودعا إلى حماية الأراضي الزراعية في المحافظات من التوسع العمراني وتوجيه الاستثمارات نحو المناطق الإنتاجية، بما يعزز الأمن الغذائي ويزيد من فرص التشغيل في الريف.
من جانبهم، أشار خبراء بيئيون إلى أن انعكاس المشروع على المحافظات لا يقتصر على الجانب الزراعي فقط، بل يمتد إلى استقرار النظم البيئية وإتاحة الفرصة لتعافي الأحواض الجوفية في المناطق التي تعاني من الاستنزاف.
وأكدت خبيرة الإعلام البيئي فرح عطيات، أن المشروع يفتح نافذة حقيقية لتحقيق توازن دقيق بين تلبية احتياجات الزراعة والحفاظ على الأنظمة البيئية، مبينة أن هذا التوازن لا يتحقق بزيادة كميات المياه فحسب، بل بكفاءة إدارتها وتوجيهها نحو الاستخدامات الأعلى قيمة.
ولفتت الى أن ذلك يتطلب اعتماد سياسات توزيع مرنة ترتبط بقدرة الأنظمة البيئية على التحمل، إلى جانب تعزيز الرقابة على استخدامات الأراضي لمنع التوسع الزراعي العشوائي وحماية الأحواض المائية والموائل الطبيعية، خاصة في المناطق الهشة.
وفيما يتعلق باستخدام المياه المحلاة، أوضحت عطيات أنها تمثل خيارا استراتيجيا لتجاوز الشح، لكنها تستدعي إدارة دقيقة نظرا لتأثير خصائصها الكيميائية على التربة على المدى الطويل، ما يستوجب تطبيق ممارسات زراعية تحافظ على خصوبتها.
وأضافت إن الأثر البيئي يمتد إلى كامل سلسلة التحلية، بما في ذلك إدارة الرجيع الملحي، مؤكدة أن الالتزام بالمعايير الصارمة كفيل بتحويل التحديات إلى فرص لتعزيز كفاءة الإدارة البيئية.
واعتبرت عطيات، أن المشروع يمثل فرصة لتخفيف الضغط عن المياه الجوفية وإتاحة المجال لتعافيها، شريطة تطبيق سياسات حازمة لضبط السحب الجائر، إلى جانب دوره في دعم التحول نحو الزراعة الذكية مناخيا، وتقنيات الري الحديثة، والمحاصيل الأقل استهلاكا للمياه.
بدورها قالت خبيرة السياسات البيئية الدكتورة منى هندية، إن مشروع الناقل الوطني للمياه يمثل تحولا استراتيجيا في إدارة الأمن المائي في الأردن، ليس فقط من حيث توفير مصادر مياه محلاة، بل من حيث اعتماده المتزايد على الطاقة المتجددة، خصوصا الطاقة الشمسية، في تشغيل منظومة التحلية والنقل، بما يعزز استدامة المشروع ويقلل من كلف التشغيل وبصمته الكربونية.
وبينت أن دمج الطاقة الشمسية ضمن بنية المشروع يشكل عنصرا حاسما وجعله كنموذج تنموي مستدام، يربط بين الأمن المائي والتحول نحو اقتصاد منخفض الانبعاثات ويعزز قدرة الأردن على مواجهة تحديات المناخ وشح الموارد في آن واحد.