السلام الفكري والاجتماعي هو حالة من التناغم والتعايش السلمي داخل المجتمع، مبنية على قبول الآخر ونبذ العنف، ويهدف إلى تحقيق الاستقرار من خلال الحوار والعدالة. يرتكز السلام الفكري على تحصين الهوية الثقافية والوسطية، بينما يضمن السلام الاجتماعي غياب القهر، مما يوفر بيئة آمنة تتيح للأ العالمين؛ ليسعد به الناس أجمعين، سعادة أبدية في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا يتعايشون، تحت ظلاله الوارفة بسلام، وأمن وأمان، ورحمة ومودة، ولا عجب في ذلك؛ لأن الله هو السلام، وأن دينه هو الإسلام؛ وما أنزل الله دينه إلا لإحلال السلام بين الأنام، وجعل تحيته السلام، وسمى جنته بدار السلام، وأرسل رسوله محمد عليه الصلاة والسلام، بدين الإسلام رحمة للعالمين
،ولاشك أننا نعيش مرحلة حرجة وخطيرة، يتقلب فيها كثير من الشباب في وحل التحديات، وينغمسون في نظرتهم السوداوية، للواقع المرير الذي يعيشونه، من مخططات فكرية مهلكة، وعقائدية مضللة، وعسكرية مدمرة، فيسقطون فيها بدافع الحماس والتغيير، فلا ينظرون لعواقب الأمور، ولا يتأملون مآلات الأفعال قبل الإقدام عليها؛ فيسارعون بالفتاوى المتهورة، والأحكام المتعجلة، المبنية على نظرة جزئية متهافتة، مفتقدة للتصور الدقيق المتكامل، والعلم المتبحر الشامل.
الإسلام هو دين الشمولية والتسامح والسلام، وتؤكد تعاليمه على وجوب إعلاء الحق والعدالة، وتفرض على المسلمين السعي في سبيل تحقيق العدالة ومواجهة القهر والمعاناة. وللأسف يبرر البعض للاستفادة من العنف بدعوى أن الإسلام قد انتشر بحد السيف، لكن الإسلام يؤسس ويرسخ في حقيقة الأمر للنظام السلمي العادل الذي يحقق العدالة للجميع دون عنف أو نزاع.
يؤكد الإسلام على مبادئ التسامح والسلام أساسًا لعلاقة المسلمين بغيرهم، ويحث أتباعه على تجنب الحرب والعنف، ويضع قيودًا على استخدام القوة، فالقرآن ينص على حق القِصاص ولكنه يصرح بأنه: { فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} (40: الشورى). وفيما يلي نعرض لبعض المبادئ الإسلامية التي من شأنها خلق ثقافة السلام.
المبدأ الأول والجوهري لثقافة السلام هو "حرية الاعتقاد"، ووَفقًا للتعاليم الإسلامية، للناس حرية المعتقد الديني. يقول الله تعالى: { لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (256: سورة البقرة)، ويقول سبحانه: {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ} (29: سورة الكهف).
وهكذا فالاعتقاد الديني هو أمر طوعي للأفراد حرية اختياره. إن الرسالة التي تنطوي عليها هذه الآيات القرآنية هي احترام المعتقدات المخالفة والاعتراف بحرية الآخرين، ومن شأن هذه الرسالة إرساء ثقافة اللا عنف والمساهمة في تحقيق ثقافة السلام.
المبدأ الثاني لخلق ثقافة السلام والمجتمع الخالي من العنف هو "تأكيد الإسلام على السلام واللا عنف باعتبارهما الأصل". يقول الله تعالى: {وَاللَّهُ يَدْعُو إلى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (25: سورة يونس)؛ ويقول سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} (208: سورة البقرة).
وتأكيدًا على ذلك، يُجيز الإسلام حق الجهاد الدفاعي بشروط منها وقوع العدوان على المسلمين؛ يقول تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (190: سورة البقرة)؛ وينص على أن يكون رد العدوان مماثلًا ولا يزيد على مقدار العدوان الواقع على المسلمين فيقول سبحانه: {فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} (194: سورة البقرة). هذه المبادئ وغيرها تكفل نشر السلم وقبول الآخر ونبذ الكراهية والتعصب في أوساط المجتمع، بما يخلق ثقافة سلام مجتمعي عامة يعيش في رحابها جميع فئات المجتمع.
وحين يصل مسلسل التعلُّم بالإنسان إلى مرحلة النضج يتشكَّل لديه وعيٌ بأن علاقاته لا تنطلق من الصفر، أي "لا له ولا عليه"، بل يبدأ حياته وهو مَدين لوالديه أولًا ثم لكثير من الناس الذين لهم الفضل عليه من خلال إسهامهم في تربيته. ويتجلَّى هذا الأثر النفسي في سلوك الإنسان عبر استعداده لتخصيص جزء من إنفاقه لتلبية حاجيات هؤلاء الذين لهم حقٌّ عليه. وهنا تتشكَّل تركيبة نفسية-اجتماعية معقَّدة تحدِّد نظامًا للضمان الاجتماعي استطاع أن يؤدي دورًا وظيفيًّا في كثير من المجتمعات (حتى الجاهلية كما شأن العاقلة في دفع دية المقتول خطأ وكفالة الآباء والأمهات الذين تقدَّم بهم العمر وغير ذلك). وتُعَدُّ قدرة الشعوب على تفعيل هذا الضمان الاجتماعي مؤشرًا على تماسكها.
ولمَّا كانت حياتنا في هذه الدنيا رحلةً من الحالة الطينية الحيوانية إلى الحالة الإنسانية الموعودة بالجنة: {وتحيتهم فيها سلام}، شُرع الصيام ليشكِّل تدريبًا للنفس البشرية على تذوُّق حلاوة الحاجات العليا، فتزداد رغبته بها عبر التحرُّر من العادة التي تأسره من خلال تلبية الحاجات الدنيا، وهكذا يزداد الإنسان تحررًا من وطأتها. وبهذا فإن التحوُّل الاجتماعي القائم على الوعي (لا على القهر) يقتضي تعاونًا بين أفراد المجتمع على التذكير بتحديات الحياة الحقيقية التي ترمي إلى رقي الإنسان وتخلّصه من وطأة الحوافز الدنيا، وهذا أحد معاني الدعوة إلى الله. ومعلوم أن الواقعية تقتضي ألا نسعى إلى إلغاء الحاجات الدنيا، بل إلى ترشيدها، سواء تعلَّق الأمر بالحاجات المادية مثل الأكل والشرب والجنس، أو بالحاجات الأساسية غير المادية.
أنَّ التربية تُساهِم في بناء ودعم السلام الاجتماعي في المجتمع، وعن طريقها يمكن تدعيم قِيَم المواطنة بين الشباب وتعزيز قِيَم الديمقراطية. إن تحقُّق السلم الاجتماعي عامل أساسي لتوفير الأمن والاستقرار في المجتمع، وإذا ما فُقدت حالةُ السلم والوئام الداخليين أو ضعفت، فإن النتيجة الطبيعية لذلك هي تدهور الأمن وزعزعة الاستقرار، حيث تسود حالة الخصام والاحتراب
، فيسعى كل طرف لإيقاع أكبر قدر من الأذى والضرر بالطرف الآخر، وتضيع عندها الحدود، وتُنتهك الحُرُمات، وتدمّر المصالح العامة، حينها تشعر كل جهة بأنها مهدَّدة في وجودها ومصالحها، فتندفع باتجاه البطش والانتقام وإحراز أكبر مساحة ممكنة من السيطرة والغلبة. إن هذه السياسات الجائرة هى التي تلعب بمصائر الشعوب النامية وتصر على تفكيك أوصالها وتصادر إرادة شعوبها وتراهن على مستقبلهم بنظريات سياسية تجسد سطوة القوة وبطش الأقوياء بعيداً عن أي مبدأ أخلاقي أو قيمة دينية. إن آفة العصر الذي نعيشه أن ترتبط مصائر الشعوب ومقدرات الأوطان بمقاصد السياسيين الذين يمتلكون مصانع الأسلحة المدمرة ويحرصون على فتح أسواق العالم النامي لتكون حقل تجارب لهذه الأسلحة وسوقاً رائجة للإتجار فيها استنزافاً لثروات الشعوب واحتلالاً لأوطانهم.