ولد فالح مصطفى الغرايبه عام 1937م، في حقبة تاريخية مفصلية كانت تعج بحركات التحرر الوطني والاستقلال في المنطقة العربية. جاء ميلاده بعيد انقشاع غبار الحرب العالمية الأولى وتطبيق اتفاقية سايكس بيكو 1916 م ومؤتمر سان ريمو 1920 م، تلك التفاهمات التي جزأت المشرق العربي وأجهضت مشروع الدولة العربية الكبرى في سوريا الطبيعية والحجاز، رغم النجاح العسكري للثورة العربية الكبرى في إنهاء الوجود العثماني.
بزغ فجر حياته في بلدة حوارة، " رغيف حوران " كما يطيبُ لي وصفها وتسميتها، تلك البلدة الوادعة المستقرة في سهل حوران على أكتاف مدينة إربد. نشأ في بيئة ريفية معطاءة تميزت بتربتها الحمراء الخصبة التي جادت بالقمح والشعير والزيتون. وفي حارات حوارة وأزقتها التي تمتد خيوطها لتصل بين إربد والرمثا والصريح وبشرى وسال، قضى طفولته وشبابه الباكر بين أبناء عشيرة الغرايبه والعشائر الأخرى، متشرباً قيم الأرض والانتماء.
المسار التعليمي : طموح عانق عنان السماء
المرحلة المدرسية : مع بلوغه السادسة، بدأ رحلته التعليمية في مدارس مدينة إربد، مما وسّع آفاقنه ومداركه خارج حدود قريته. برزت في تلك المرحلة ملامح شخصيته القيادية، فاتسم بالذكاء الوقاد، وسرعة البديهة، والنظرة المتفائلة، رغم صعوبة الظروف المعيشية وغياب التنمية آنذاك نتيجة عقود من الإهمال في أواخر العهد العثماني.
الشهادة الثانوية : أتم دراسته الثانوية في إربد عام 1958م.
الدراسة الجامعية : لم يقف طموحه عند الوظيفة الحكومية المتاحة آنذاك، بل شد الرحال إلى جامعة دمشق في الجمهورية العربية السورية للالتحاق بكلية الحقوق، حيث لم تكن الجامعات قد أُسست بعد في الأردن. هناك، في دمشق التي كانت منارة للفكر القومي العربي، صُقلت ثقافته القانونية والسياسية، وبنى شبكة علاقات وطيدة مع نخب المثقفين العرب، وعاد إلى وطنه يحمل شهادة البكالوريوس في الحقوق عام 1962م.
المسيرة المهنية في جهاز الأمن العام
التحق المغفور له بجهاز الأمن العام عام 1962م برتبة ملازم أول، كجزء من رؤية الدولة في رفد الجهاز بالكفاءات الجامعية. وتدرج في مناصب حساسة بفضل انضباطه العالي، منها :
التحقيقات الجنائية : حيث برع في كشف القضايا بذكاء واجتهاد قانوني.
المستشار القانوني ومحكمة الشرطة : عمل عضواً في المحكمة ومستشاراً قانونياً للجهاز.
مدير مديرية الحدود والأجانب : تولى مسؤولية هذه المديرية الحيوية بكفاءة واقتدار.
مدير شرطة محافظة البلقاء ( السلط ) : تميزت فترته بالانفتاح على المجتمع المحلي وبناء علاقات متينة مع المواطنين.
مدير شرطةه العاصمة عمان : وهو من أرفع المناصب الأمنية نظراً لثقل العاصمة وحراكها المستمر، وقد أثبت فيه جدارة استثنائية.
العطاء الدولي والأوسمة والتكريم
كان المرحوم سفيراً فوق العادة للكفاءة الأردنية وتمثل ذلك في :
العمل فية الإمارات : انتدب للعمل مستشاراً قانونياً للقوات المسلحة الإماراتية بين عامي ( 1972 - 1977 م )، حيث ساهم في بناء المنظومة القانونية العسكرية هناك.
الدورات الخارجية : شارك في دورات تخصصية رفيعة، أبرزها دورة التحقيقات الجنائية في واشنطن / الولايات المتحدة.
الأوسمة الرفيعة : تقديراً لجهوده، مُنح الأوسمة التالية :
ثمانية أوسمة رفيعة من جلالة المغفور له الملك الحسين بن طلال.
رتبة " فارسة" من الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران.
وسام تقديري من سمو المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رئيس دولة الإمارات.
السنوات الأخيرة والعمل العام :
تقاعد برتبة لواء عام 1984 م، لكن عطاءه لم يتوقفة:
أسس مكتباً للاستشارات القانونية ( 1984 - 1989 م ).
عُين محافظاً لمحافظة البلقاء عام 1989م لمدة ثلاث سنوات بقرار ملكي.
شغل عدة مناصب تطوعية وأكاديمية واجتماعية، منها :
عضو نقابة المحامين الأردنيين.
الرئيس الفخري لنادي شباب حوارة.
عضو جمعية الصداقة الأردنية الأمريكية.
عضو مجلس أمناء جامعة جرش الأهلية.
عضو جمعية الشؤون الدولية.
الرحيل :
ترجل الفارس عن صهوة جواده في الأول من أيار عام 2003 م، تاركاً وراءه إرثاً ناصعاً من العمل الوطني، وسيرة ذاتية تعكس قصة كفاح جيل البناة الأوائل الذين أسهموا في نهضة الأردن الحديث.