لم يكن الصيام يوما مجرد شعيرة دينية حديثة، بل هو أحد أقدم الجسور الروحية التي سلكتها البشرية للتقرب من الخالق وتزكية النفس. وتتجلى هذه الحقيقة التاريخية في القرآن الكريم قوله تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ". ورغم اشتراك الأمم في مبدأ الصيام، إلا أن " الكيفية " و" الغاية " رسمت ملامح التنوع الثقافي والروحي لكل حضارة.
أولا : الصيام في فجر الحضارات ( مصر القديمة )
عند المصريين القدماء، لم يكن الصيام مجرد كفٍّ عن الطعام، بل كان طقسا تطهيريا يرتبط بالقداسة والحياة الآخرة. فقد آمن الفراعنة أن الأرواح في العالم الآخر لا تحتاج لماديات الطعام، لذا كان الصيام وسيلة للسمو الروحي.
صيام الشعب : كان يمتد لـ 70 يوما، يُحظر فيها تناول اللحوم والنبيذ، ويقتصر على الخضروات والماء.
صيام الكهنة : وهو الأشد صرامة، حيث يصوم الكهنة 40 يوما من الشروق للغروب لزيادة درجتهم الروحية قبل دخول الهيكل.
ثانيا : الصيام في الديانات الكتابية ( اليهودية والمسيحية )
تطور مفهوم الصيام في الديانات السماوية السابقة للإسلام ليرتبط بالتكفير والزهد :
في اليهودية : ارتبط بالحداد والتذكار، وأبرز صيامهم " يوم كيبور " ( الغفران )، حيث ينقطعون عن الطعام والشراب لـ 25 ساعة تكفيرا عن ذنوب العام، بالإضافة إلى صيام أيام تذكارية كذكرى سقوط القدس.
في المسيحية : تحول الصيام إلى وسيلة لتقوية الإرادة والزهد اقتداء بالسيد المسيح. وغلب عليه الطابع " النباتي "، حيث يمتنع الصائم عن اللحوم والألبان ( مثل الصوم الكبير 55 يوما، وصوم الميلاد 43 يوما )، مع فترات انقطاع كاملة تمتد غالبا من منتصف الليل حتى العصر.
ثالثا : الصيام في الفلسفات الشرقية ( البوذية والهندوسية )
خارج نطاق الأديان السماوية، كان الصيام ركيزة أخلاقية وطبية في الشرق الأقصى :
البوذية : يمارس الرهبان صياما جزئيا يوميا من الظهر حتى فجر اليوم التالي، كجزء من " الطريق الوسط " لتصفية الذهن للتحرر من المادة.
الهندوسية : يُعرف بـ ( Upavasa )، وتتنوع طرقه بين الامتناع التام في أيام اكتمال القمر، أو الاكتفاء بالفواكه، بهدف تطهير الجسد من السموم والارتقاء بالنفس.
رابعا : تحليل مقارن ( بين الانقطاع والامتناع )
عند النظر في خارطة الصيام عبر التاريخ، نجد فروقا جوهرية في التطبيقو:
نوع الممسك عنه : تراوح بين "ةصيام نباتي " ( المسيحية والفراعنةة) وبين " انقطاع شامل " عن الطعام والشراب ( الإسلام واليهودية ).
المدة الزمنية : تفاوتت من يوم واحد ( الغفران ) إلى فترات طويلة تتجاوز الشهرين ( عند الفراعنة وبعض أصوام المسيحية ).
الدافع والغاية : تنوعت الدوافع بين " التكفير والحداد " في الفكر اليهودي، و" التطهير الجسدي " في الفلسفات الشرقية، و" السمو الروحي " في الفكر الفرعوني والمسيحي. الصيام ... الفطرة البشرية المشتركة
بالنظر إلى هذا الإرث الإنساني، يتضح أن الصيام لم يكن يوما تعذيبا للبدن، بل " استراحة محارب " تمنح الروح فرصة لتتنفس بعيدا عن ضجيج المادة. لقد اتفقت البشرية على أن تهذيب النفس يبدأ من السيطرة على الغرائز.
جاء الإسلام ليُتوج هذه المسيرة، فصبغ الشعيرة بصبغة " التقوى " والرحمة، فجعل الصيام ركنا أساسيا منضبطا زمنيا ( من الفجر للغروب )، واجتماعيا ( يشعر فيه الغني بالفقير )، وروحيًا ( يصل العبد بخالقه )، محققا التوازن الذي تنشده الفطرة الإنسانية، تصديقا لقوله تعالى : " لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ".
الأستاذ قيصر صالح الغرايبه ( تربوي واكاديمي وباحث في التاريخ الحضاري والاجتماعي والسياسي .